فلسفة العطاء.. صناعة الخلود

4-6-2026 | 15:36

عن فلسفة العطاء، قال مصطفى صادق الرافعي: «إن الكرم ليس في أن تعطيني ما أنا أحوج إليه منك، بل الكرم أن تعطيني ما أنت أحوج إليه مني».

أعتقد يقينًا، أن سعادة الكريم حين يعطي أعظم من محبته وسعادته حين يحتفظ بماله أو أرضه أو أشيائه.. فمن هذه الفلسفة العميقة يبدأ الإنسان رحلته مع تسجيل اسمه في دفتر الخلود والتاريخ.

وقد قرأت خبرًا يهزّ القلب ويوقظ الروح عن رجل من أهل الشرقية المشهورة بالكرم، من مدينة فاقوس الطيبة، هو الحاج طارق عبد العظيم، تبرع بـ8 فدادين كاملة لجامعة الزقازيق؛ بدأها بـ5 أفدنة ثم زاد عليها 3 أخرى، لتبنى على هذه الأرض كلية طب تُحيي الأجساد وتُنير العقول.. وتُنبت أطباءَ جُددًا يعمرون المحروسة، عوضًا عن الذين يسافرون سنويًا إلى إنجلترا والخليج.

هذه اللمسة الكريمة أيقظت في نفسي ذكرى الأميرة الخديوية فاطمة إسماعيل، ابنة الخديو إسماعيل، فقد تبرعت بأراضٍ زراعية واسعة (وقف يدر دخلاً سنويًا عليها يقدر بـ1500 جنيه ذهبًا في حينها) وخصصت 6 أفدنة كموقع لبناء الجامعة المصرية (جامعة القاهرة حاليًا).. كما باعت مجوهراتها لتمويل البناء (26 ألف جنيه تقريبًا في وقتها). 

كأنها أرادت أن تجعل العلم نفسه وقفًا خالدًا يجري كالنهر الذي لا ينضب، ولا يتوقف عن العطاء والجريان بالخير والنماء.

وتذكرتُ أيضًا قصر العيني باشا المنيف على ضفاف نيل القاهرة الساحر، قصر كبير شامخ، تحوّل إلى مشفى يرمم الإنسان ويُحييه من براثن المرض، وكآبة الفقر لمن يحتاج إلى عمليات مجانية.. 

ووصلت شهرته العالمين، كأن أرض القصر نفسها طاهرة ولِمَ لا وهي تُغسل بمياه النيل المجاور لها أكثر من 5 مرات يوميًا، فيما أصبحت تُداوي أجسادًا أنهكها المرض والفقر، وكأن جدرانه قد صارت ملاذًا للمرضى في الحياة يحتمون به وفيه.

ولا أنسى أبدًا المحترم خالد الذكر، نعمان باشا الأعصر، الذي وهب 600 فدان بالمحلة الكبرى لمصنع غزل المحلة، ليؤكد أن الصناعة والتعليم توأمان يتكئ كل منهما على الآخر، وأنهما معًا يبنيان أمة تعيش بعقلها ويديها، وتزهو بكرامتها بين الأمم كالنجم الذي لا يختفي.. 

يقول أمير الشعراء أحمد شوقي:
بِالعِلمِ وَالمَالِ يَبني النَاسُ مُلكَهُمُ
لَم يُبنَ مُلكٌ عَلَى جَهلٍ وَإِقلالِ.

فالكرم إذن ليس مجرد عطاء، بل هو إحياء للروح الإنسانية في أسمى معانيها، والمعنى أن الإنسان حين يضحي بأرضه في سبيل العلم والعلماء وتعليم الجميع (فقراء وأغنياء).. كأنه أبقى نفسه حية في كل قلب ينبض بهذا العلم، واسمه خالدًا بين المفكرين والعلماء والأطباء والطلبة والمتبرعين.

وسوف يذكرونه في كل فكر يُستضاء بنوره، ويظل اسمه يتردد في أرجاء الدهر كصدى الندى على أوراق الورد.. لا ينقطع إلا نادرًا.

تمامًا كشجرة خضراء غرست جذورها في قلب الأرض فأينعت ثمارها في سماء المستقبل.

فبالعلم والمال والخير والكرم يبني الناس ملكهم وتقدمهم.. وخلودهم أيضًا.

إكس: @AhmedTantawi

كلمات البحث
اقرأ أيضًا: