أكثر ما يزعج كل إنسان ناضج هو أن تستقطبه الحياة بمشكلاتها أو حتى بمتعها الزائفة؛ لتبعده عن طريق الله، فيجد نفسه يقصر في عبادات اعتاد القيام بها، أو في ذكر لله كان يداوم عليه بلا انقطاع، يبكي لحظات هادئة ملأت قلبه وروحه بالطمأنينة والسلام، لحظات كان يتلو فيها آيات من ذكر وقرآن، يقلب في صفحات كتب نافعة تخفف عنه أثر مشقة وتعب لا يعلم منتهاه إلا الله.
في وسط فوضى الأخلاق وتراجعها يكون الواقع أليمًا والسلام شحيحًا، تأتيك لحظات من ندم على الانشغال بكل ما يسلب منك الأمن والأمان، تذكرك بحقيقة الحياة، وتخبرك بأن الخير كله في معية الله، رب العالمين الذي لا تخفى عليه خافية، الذي ستجد بقربه هداك، بهداه ستبلغ ما رأيته يومًا مجرد خيال في خيال.
تفيقك لحظات قاتمة مغشاة بغطاء من يأس عظيم، تلومك بشدة على هجر غير مقصود أو ابتعاد دون قصد، توبخك بكلمات حادة لتوقظك، كلمات منبعها النصح التام وأصلها الإرشاد، تقلب عليك مواقف عدة خسرت فيها كثيرًا يوم انشغلت بغير الله، وجهلت معنى الحياة، يوم فرطت في الامتثال لأوامره، وهو الذي يحمل لك الخلاص ويمنحك النجاة.
لم تكن الدنيا في يوم من الأيام تستحق كل هذا الاهتمام، الدنيا التي نعيش خداعها ونجزل لها من وقتنا ما تشاء، ما يزيد على حقها في جذبنا نحو أمورها وقضاياها التي يبرع في خلقها الإنسان، إنها الخدعة الكبرى التي نفهمها وندركها كلما ازدادت سنوات العمر وقرب موعد اللقاء.
كلنا نرى هذا واضحًا عيانًا بيانًا، وربما نستشفه مستترًا يطرق بين الحين والآخر الأبواب، يوقظنا من غفلة تستقطبنا، تأخذنا معها بكل مكر نحو ميادين اللهو والانصراف، تلهينا بمقومات خداعها، تمهد لنا الطريق نحو الذهاب والانغماس وسط مغريات تتجدد في كل لحظة، ترافقنا نحو تيه وضلال.
واجبنا الآن الانتباه، مراقبة ما تضمره لنا الحياة، دنيانا ليست دائمة وتلك حقيقتها، كلنا ننتظر يومًا لا مفر منه، دنيانا تخطط للإيقاع بنا، تترجم الكلمات وتجسد الرغبات، تستبسل في خداعنا وتزج بنا في طريق لا يعاد، لا ينجو منه إلا ماهر مستيقظ يدرك أثر فوضى تمس قلوبًا وعقولاً وتذهب بالأخلاق.
دنيانا قصة لها بداية ونهاية، دنيانا خدعة تحكم قبضتها على كل إنسان رحيم، تنزع منه الرحمة وتبرر له الأخذ ولو بغير حق، دنيانا رحلة لا يتناسى نهايتها إلا غافل أو متعمد للهروب من حقيقة وجوده التي كتبها الله عنده من قبل خلقه، الحياة حكاية لا تشبه كل الحكايات.