أقر أنا الموقعة أدناه أنني قد تنازلت بكامل إرادتي عن حقي في وداع ابني وصغيري وأخي وصديقي وحبيبي، وأنه لا يحق لي المطالبة بتقبيله أو رؤيته للمرة الأخيرة، علمًا بأنه: منذ مرضت أمه، وكان في السابعة وأنا في التاسعة من العمر، وجدت نفسي كرهاً وطوعاً الراعية الوحيدة لهذا البيت.. أنا من تنظف وترتب وتعد الطعام وتغسل الثياب وترعى الأم مريضة القلب والطفل الصغير.
رغم ذلك لم أشعر يوماً بالضيق ولا الملل رغم صغر سني! أتذكر ذلك جيداً، وكأنني أُعْدِدت لهذا الأمر إعداداً مبكراً دقيقاً. أظنه لا يتذكر شيئاً من ذلك، فما كان إلا طفلاً صغيراً لا يجيد إلا اللعب والابتسام لكل شيء حوله، لا يفهم ولا يعي معنى المرض والفقر، وهل يفترض أن يعرفهما في مثل هذه السن؟! لا شك أن هذا ما كان يجب أن أكونه أنا أيضاً وأنا بنت السنوات التسع لم أتجاوزها! لكنها الأيام.. اتخذت قرارها وأصرت أن تشاكسني في وقت مبكر، عاندتني قدر استطاعتها ونجحت في انتزاع طفولتي لأنضج قبل الأوان، حَفَرَت تلك اللحظات في ذاكرتي بمنتهى القوة والقسوة، حتى أصبحت أتذكر كل تفاصيلها.
وماتت الأم وهو في الحادية عشرة، لأنتقل بشكل رسمي من دور الأخت إلى دور الأم، ولم أتجاوز الثالثة عشرة! صدر الحكم بأنه ابني! وقبلت الحكم بنفس راضية، وبذلت كل ما في وسعي لرعايته وإرضائه قدر استطاعتي والله شاهد على ذلك. في الماضي القريب كانت الأم تذود عني وعنه حتى وهي راقدة لا تقوى على شيء، أما الآن فلا بد أن أكون أنا من تدافع وتحمي ولو على حساب نفسي وراحتي.
عفواً.. لم أتحدث عن الأب، ليس لأنه كان ميتاً كما قد تظنون، لكن لأنه كان غائباً طوال الوقت في بيت آخر يرعى أبناء آخرين، أنسته الأيام وأنستهم وأنستنا أننا إخوتهم. حتى بعد موت الأم عندما حملونا إلى بيته، لم نشعر يوماً بوجود الأب الذي كنا نراه في بيوت زملائنا يلاطفهم ويداعبهم. كنا نراه كذلك فقط مع إخوتنا الآخرين.
أتذكر يوماً كان الصغير يلعب ويلهو بصوت عالٍ ككل الأطفال، لا يدري أن صوته غير مرغوبٍ فيه؛ لأنه يصرخ في أذن الأب، يحاصره ويذكره في كل لحظة بتلك المسئولية التي ألقيت على عاتقه فجأة غصباً عنه. مسئولية تحملتها الأم منذ زمن بعيد، لكنها فعلتها وماتت وألقت إليه بحملٍ لا يدري كيف يتصرف فيه. لعب الصغير ببراءة الأطفال، وثار الأب وأصر على عقابه وضربه، فلم أجد غير جسدي النحيل لأضعه حائلاً بينه وبين صغيري، صرخت فيه أرجوه أن يعاقبني بدلاً منه، فلم يتردد، أغلق الحجرة وظل يضربني ويصرخ في وجهي، ثم يبكي، ثم يعاود الصراخ ويضرب بقوة وهو يبكي وكأنه يعاقب الأيام التي قذفت بنا في وجهه دون رحمة، وطالبته بأن يكون أباً لكائنين غريبين لا يعرفهما.
على فكرة.. لطالما حاولت أن ألتمس له العذر، لكن ماذا نفعل؟! أين نذهب؟! ما حيلتنا وقد فرضت الأيام عليه وعلينا أن يكون ملجأنا وملاذنا الوحيد هو صفحات بطاقته الشخصية؟
كان النظام إما أن نفطر في البيت أو نأخذ مصروفنا ونفطر به، كان المصروف قرش صاغ، للإفطار واللهو مع الأصحاب في المدرسة! كنت أجعل الصغير يختار الإفطار في البيت، وأختار أنا القرش صاغ لأدخره طوال الأسبوع، ثم أعطيه له ليشتري ما يحب ويشتهي.
وضاقت الأرض بما رحبت، وفجأة تتحقق نبوءة الأم حين أصرت على زواج أخيها -خالي- من عمتي، كانت -رحمها الله- تتوقع موتها في أي لحظة، وكانت تكرر جملتها التي لا تنسى: "لن يربب أولادي إلا خالهم وعمتهم". لا أدري كيف حدث ذلك، هل كانت من أولياء الله الصالحين؟ هل انكشف لها الحجاب لترى وتسمع ما سوف يحدث بعد موتها؟!
المهم أن وقت تحقق النبوءة قد حان، وحضرت عمتنا وخالنا، وبدون كلمة تم حملنا إلى بيتهما، دون أي ممانعة من الأب. كان بيتاً صغيراً على غير استحياء، رغم ذلك أصرا أن نعيش معهما.
وأخيراً حسمت الأيام الموقف، صالحتنا وقررت أن يكون لنا أب وأم مثل كل الأطفال، وبدلاً من أن يكون لي أخ واحد أصبحوا أربعة، أخ شقيق وثلاثة غير أشقاء. جعلتني عمتي سيدة هذا البيت المتمادي في الصغر، أقصد سيدة هذا القصر، نعم رأيناه قصراً وشعرنا به قصراً، واستمتعنا به إلى أقصى حد.. ولم لا وقد وجدنا فيه راحتنا التي ما زلت أذكرها وأفتقدها وأبكيها إلى الآن.
أشعرتني العمة أنني بالفعل الأخت الكبرى، كنت أطبخ وأوزع عليهم الطعام بالتساوي، لا أحد يتميز عن الآخر ولا يجور على "منابه". في العيد كان الخال -الذي كان راتبه يكفيه بالكاد حتى آخر الشهر- يذهب بنا لنشتري ملابس العيد على قدر ما تكفي نقوده، مثلنا مثل أولاده دون أي تفرقة. لا تتعجبوا!! نعم هذا ما حدث.. صدقوني، لقد عشت سنوات طويلة تحت سقف واحد مع هذا الصنف من البشر، ورأيتهم يفعلون هذه الأفعال؛ لذلك أبكيهم بكل ما أملك من شوق وحنين ووفاء كلما تذكرتهم.
وكبرنا في منزل الخال والعمة إلى أن تزوجت، وبقي الصغير ليستكمل دراسته، فقد أصر الأب -توفيراً للنفقات- أن يلحقه بدار المعلمين ليتخرج ويعمل مبكراً. لكنه كان مجتهداً في معهده وحصل على مجموع يؤهله للالتحاق بالجامعة، ولولا إصرار الخال والعمة على دخوله الجامعة وتحمل نفقاته لما التحق بها. ثم شاء القدر أن أقضي مع صغيري فصلاً آخر من حكايتنا مع الزمان.
تخرج الصغير من الجامعة، وتسلم عمله في البلدة التي تزوجت فيها، وعاش معي ومع زوجي وأولادي تحت نفس السقف سنوات وسنوات. وتسلمت مرة أخرى دور الأم التي ترعى صغيرها وهو ما زال يبدأ حياته، فعلت كل ما في وسعي -رغم ضيق الحال- لأوفر له ما يحتاجه، ساعدته في الحصول على شقة، ساعدته ليتزوج، وساعدته بعد أن تزوج، إلى أن تحسنت أحواله وصار قادراً على مواجهة الحياة.
والآن.. بعد كل هذا العمر، يبدو أن الأيام ما زالت تهوى مشاكستي، لا تعلم أن قوة تحملي في الماضي قد ذهبت إلى غير رجعة؛ من كثرة ما لاقيت من الغم والهم، أبسط جرح بات يوجع قلبي ويقهره ويعصف به. ألقت الأيام كلمتها في وجهي دون رحمة، ذهب الصغير ولن يعود، وأبت أن أودعه بقبلة على جبينه، أن أتأمل وجهه للمرة الأخيرة وأتخيله يبتسم لي كما اعتاد أن يفعل.
لكن لا تقلق يا صغيري، ابتسم ابتسامتك الأخيرة، وكن على يقين أنني أراها وأشعر بدفئها. لا تغضب لغيابي عن وداعك، فقد تنازلت عنه؛ لأنه وداع مشروط لا يليق بوداع أم لابنها، تنازلت عنه وتسامحت فيه لأجل خاطرك، حتى ترحل في هدوء وسلام.