كعادتها الذميمة والمستفزة، أطلقت إسرائيل لنفسها العنان في لبنان، تستبيح سيادته وأرضه، وتقض مضاجع سكانه بدعوى باطلة وزائفة، هي تأمين أجزائها ومدنها الشمالية من صواريخ وغارات حزب الله المسيطر على الجنوب اللبناني، وهو ستار تخفى وراءه أطماعها وأحلامها التوسعية بالمنطقة.
وعبر المشهد اللبناني المأساوي الراهن تتجلى قسمات وملامح "لعبة التناقضات" الإسرائيلية الأمريكية، التي باتت مألوفة وبادية للعيان منذ شن واشنطن وتل أبيب حربهما على إيران. فما نراه من وقائع وتحركات على الأرض يتنافى ويتناقض تمامًا مع ما تعلنه ونسمعه من الدوائر الرسمية الأمريكية عن مساعٍ وجهود حثيثة تبذلها إدارة ترامب لكي ينعم لبنان الجريح بالسلام والاستقرار.
فإسرائيل لم تحترم اتفاق وقف إطلاق النار المعلن الشهر الماضي في لبنان، إذ وسعت نطاق عملياتها العسكرية ليمتد إلى شمال نهر الليطاني، الذي يبعد عن الحدود اللبنانية الإسرائيلية 30 كيلومترًا فقط لا غير.
وعمليًا، تسيطر قوات الاحتلال الإسرائيلي حاليًا على مساحة تبلغ ٥٧٠ كيلومترًا مربعًا من أراضي لبنان، أي ما يقارب نحو ٦% من مساحتها الكلية، وتضم ٥٥ قرية وبلدة. وبينما تندد العواصم الغربية والعربية بما تفعله إسرائيل، تؤكد الحكومة اليمينية المتطرفة بقيادة بنيامين نتنياهو أن توسيع العمليات العسكرية الإسرائيلية يتم بالتنسيق الكامل مع الولايات المتحدة، ورجاءً ركز معي قليلا في هذه النقطة، فما يجري وتقوم به إسرائيل الآن ليس سوى فرض إجباري لواقع جغرافي وأمني جديد.
وفي اعتقادي، فإن هذا الإجراء يعد تمهيدًا لخطوات أشد وأعنف تستهدف تكريس سياسة اﻷمر الواقع، من خلال السماح للمستوطنين الإسرائيليين بالمجيء وتشييد مستوطنات وبؤر استيطانية فيها. وحين يأتي وقت التفاوض، سيصبح التنازل عنها صعبًا للغاية، ولو حدث فسوف تستغرق المسألة سنوات من الشد والجذب والمماطلة التي تجيدها إسرائيل وتبرع فيها.
وهذا يدل على وجود تفاهم شامل بين الحليفين الأمريكي والإسرائيلي، دون اعتبار لمقتضيات أمن واستقرار دول الشرق الأوسط. ويبدو أن هناك صفقة من نوع ما بين الطرفين تقضي بإطلاق يد الجيش الإسرائيلي في لبنان، كتعويض عن وقف مهاجمة الأهداف الحيوية والاستراتيجية داخل إيران مؤقتًا. ومعلوم أن إسرائيل كانت - ولا تزال - راغبة في مواصلة الحرب ضد طهران حتى سقوط النظام ورفعه راية الاستسلام البيضاء، وإنهاء ما تصفه بأخطار محدقة بأمنها القومي، حسبما تزعم.
واسترعى انتباهي، في سياق متابعة جولات "لعبة التناقضات"، التوظيف الكثيف لأدوات إعلامية بارزة فيها، وتأثر كثيرون بها للأسف، وساهموا في ترويج بضاعتها ونشرها بوسائل الإعلام المحلية العربية والعالمية أيضًا، ومنها موقع "أكسيوس" الشهير، الذي يُنظر إليه باعتباره قريبًا من أجهزة المخابرات الأمريكية والبيت الأبيض ومراكز صنع القرار.
والموقع المذكور ينشر يوميًا معلومات وتسريبات عديدة عن وقائع اجتماعات ومحادثات هاتفية بين كبار المسئولين الأمريكيين والدوليين والإسرائيليين، ويتناقلها الجميع بلهفة وشغف لا مثيل لهما، ثم تبنى عليها تحليلات واستنتاجات لا سند لها، عن خلافات حادة ناشبة بين إسرائيل وأمريكا على خلفية السياسات والقرارات الرعناء لحكومة نتنياهو واستخدامها للقوة المفرطة.
وأضرب مثالاً بتقرير بثه موقع "أكسيوس" قبل ساعات بشأن مكالمة تليفونية بين ترامب ونتنياهو، تضمنت حديثًا مستفيضًا يفيد بأنها كانت أسوأ مكالمة بين الرجلين، حيث وبخ الرئيس الأمريكي رئيس الوزراء الإسرائيلي، وعايره بأنه كان سببًا في إنقاذه من دخول السجن بتهمة الفساد، وأن الجميع يكرهه، وأنه تسبب في كراهية العالم لإسرائيل بتصرفاته وتصريحاته، وطالبه بالامتناع عن تنفيذ غارات على الضاحية الجنوبية للعاصمة اللبنانية بيروت، التي نزح منها أعداد كبيرة من ساكنيها بعد إنذار إسرائيلي بإخلائها.
فلا تؤاخذني إن قلت إن تلك تمثيلية لا تنطلي أحداثها على طفل لم يبلغ الحُلُم بعد؛ إذ كيف ينسق الجانبان توسيع العمليات العسكرية بما فيها من تجاوزات للأعراف والمواثيق الدولية والإنسانية، والتنسيق في حد ذاته موافقة مباشرة وجلية على تفاصيلها ومراحلها، ثم يقال إنهما اختلفا بسبب عزم نتنياهو على دك الضاحية الجنوبية وتحويلها إلى نسخة مماثلة مما شهدته وتشهده غزة؟
ولا تنس أن ترامب ونتنياهو تجمعهما مصلحة مشتركة تتمثل في كسر شوكة حزب الله وترسانته العسكرية من صواريخ ومسيرات وذخائر، فضلاً عن كونه مخلب قط للنظام الإيراني المطلوب تقليم أظافره وإدخاله بيت الطاعة الأمريكي - الإسرائيلي.
وفي سبيل تحقيق هذه المصالح المشتركة، لا مانع من إحراق لبنان وتهجير شعبه في الجنوب، والضغط على الحكومة اللبنانية للانصياع لمطالبهما وشروطهما، وأولها نزع سلاح حزب الله.
لكن على أمريكا وإسرائيل أن تدركا أن لعبة التناقضات عمرها قصير، ولن تحقق ما تبغيانه من ورائها، فهي سلاح ذو حدين، وقد تصيبهما بما لم يخطر لهما على بال.