3-6-2026 | 13:07

في زمن تتسارع فيه الخسارات الإنسانية، وتزداد فيه المسافات بين القلوب، أصبحت كثير من البيوت تنتهي خلف أبواب المحاكم الباردة، نزاعات مريرة ودعاوى نفقة ورؤية لا تنتهي، باتت أخبار الطلاق تحاصرنا من كل اتجاه؛ حتى أصبح كثير من الشباب والفتيات يعزفون عن فكرة الارتباط، خوفًا من الدخول في دوامة المشكلات أو هربًا من خيبة أمل تلوح في الأفق، وباتت بعض العلاقات تبدو هشة تذروها رياح الماديات وتكسرها فجوات الطباع.

وسط هذه الصورة القاتمة، أتذكر ذلك الحب الذي طرق باب قلبي منذ اثني عشر عامًا، وتجسد في ملامح إنسان عشت معه أجمل تفاصيل العمر. لم يكن مجرد زوج، بل كان السكن والدفء وتوأم الروح، كان حضوري الأجمل، ثم صار غيابي الأثقل.

مشاعرنا نبتت خلال الثواني الأولى من لقائنا الأول. إنه زوجي المحترم الدكتور عصام حلمي؛ الرجل الذي رفعني إلى عرش قلبه وجعلني ملكة في حياته.

كان يتمتع بهيبة واتزان يلفهما هدوء وقور، وتتجلى حكمته في رقي كلماته. كان من أولئك النادرين الذين يستمعون أكثر مما يتحدثون؛ ينصت بقلبه وعقله، ويملك فراسة مدهشة في قراءة معادن الناس. ومع هذا الوقار، كان يتمتع بروح عذبة ووسامة آسرة تخطف الأنظار بملامحه المريحة وعينيه الخضراوين اللتين تشعان صفاء.

كانت صديقاتي يقلن لي بإعجاب: "زوجك يشبه الفنان مصطفى فهمي في وسامته". وأذكر ذات صباح حين جاء السائق عم حسن ليقلني إلى عملي، فالتفت إلي ضاحكًا وقال: "يا أستاذة، عايز أقول لك حاجة... جوزك أحلى منك!". ضحكت يومها، لكنني كنت أخفي قلقي من تلك العيون التي كانت تلاحقنا أينما ذهبنا.

كانت النساء ينجذبن إليه، وكثيرًا ما كانت غيرتي تشعل بيننا بعض الخلافات، لكنه لم يكن يترك الشك يعبث بقلبي؛ كان يحتوي غضبي ويأخذني بين ذراعيه قائلا: "أنت أجمل وأنقى إنسانة قابلتها في حياتي، وأنت المرأة الوحيدة التي جعلتني أحب الحياة والأسرة".وللحق، كان محبًا لإخوتي محبة صادقة، يشعر معهم بمعنى العزوة  ودفء العائلة التي افتقدها سنوات طويلة عاشها خارج البلاد.

كان يزن كلماته بميزان الرقة قبل أن ينطق بها، خشية أن تترك أثرًا يؤلمني. 

لم أسمع منه طوال حياتنا معًا كلمة جارحة، ولم يستقو يومًا برجولته، بل جعل منها حصنًا آمنًا ألوذ به.

لم أشعر معه بفارق الاثني عشر عامًا بيننا، بل كان يفيض حيوية وشبابًا. ومنه تعلمت أن الاحترام هو أرقى درجات الحب.

لم تكن الماديات تعني لنا الكثير أمام صفاء الروح، وحين كانت صديقاتي يسألنني بدهشة: "لماذا لا يشتري لك الذهب؟"، كنت أبتسم وأقول بكل رضا: "أنا سعيدة". كان يعرف أن قلبي تملكه وردة يقطفها برقة، أو زجاجة عطر يختارها بعناية لأنها تشبه روحي.

كان يحمل لمسة رقي أمريكية اكتسبها من سنوات إقامته هناك؛ نظيفًا، منظمًا، ومولعًا بالجمال. وإذا عدت من عملي متأخرة وسبقني إلى المنزل، لم يكن ينتظرني لتجهيز الطعام، بل كنت أدخل فأجد المائدة مرتبة بأناقة، والأطباق جاهزة، وفي منتصفها وردة في كوب ماء. وكنا نعشق تناول الطعام معًا في دفء يخصنا وحدنا.

وحتى في الأيام التي تغيب فيها مساعدة المنزل، كان يبادر بكل حب إلى تنظيف السلم وسقي النباتات صباح يوم الجمعة.

كان يستيقظ مبكرًا بنشاط، وكأن أول مهمة له في الحياة هي إسعادي. لم يكن يناديني إلا بـ"حبيبتي". 

وعندما أعود إلى المنزل، كان حضنه وقبلته أول ما يستقبلني، ثم يهمس قائلاً: "رائحتك مثل الأطفال... جميلة."

وكان يعشق مفاجأتي بالورود التي يزرعها بيديه، ويتحول في المساء إلى طاهٍ ماهر يعد أشهى الأطباق. 

وإذا اضطر إلى مغادرة المنزل مبكرًا، كان يسير على أطراف أصابعه حتى لا يوقظني، ثم يقترب من سريري ويقبلني هامسًا: "حضّرت لك سندوتشًا في المطبخ، لا تذهبي إلى العمل قبل الإفطار، واتصلي بي لأطمئن عليك"، وكان إذا أوصلني إلى عملي ينزل من السيارة ليفتح لي الباب، أو يساعدني في ارتداء معطفي.

وفي الأعياد كان يكتب لي بطاقة يصف فيها مشاعره، ويضع العيدية داخل ظرف أنيق على مكتبي. وإذا اشترى لي عطرًا أو قطعة ملابس جديدة، لم يكن يقدمها مباشرة، بل يتركها على السرير مرفقة بكلمات رقيقة تفاجئني وتملأ قلبي فرحًا.

في الشهور الأخيرة من حياته، تكرر معه حلم غريب. كان يرى في منامه شخصًا يقول له: "استعد... لقد اقترب الموعد". فكان يستيقظ متوترًا، ويحكي لي ما رأى. فأقول له: "أهلاً بلقاء الله"، فيجيب بثبات: "أنا لا أخاف من لقاء الله".

كان قلبه معلقًا بالله. كنا نصلي الفجر معًا بانتظام، وبعد أن عدنا من الحج والعمرة تغير كثيرًا، وأصبح هو من يوقظني للصلاة بعدما كنت أنا المبادرة إلى ذلك..

وكثيرًا ما كنت أستيقظ بعد الفجر فلا أجده بجواري، فأخرج أبحث عنه ممازحة نفسي: "أكيد يتحدث الآن مع النساء في أمريكا!"، لكنني كنت أجده جالسًا رافعًا يديه إلى السماء، يدعو بخشوع.

كان ينظر إليّ بعينين ممتلئتين حبًا ويقول: "أخاف أن أفقدك، وأتمنى أن يمنحني الله ثلاثين سنة أخرى أعيشها معك."

وفي مساء يومه الأخير، عدنا إلى المنزل وسط زحام جماهير الأهلي المحتفلة بالفوز. كان يتعجل العودة بصورة غريبة، بينما كان شعور غامض بالوحشة يثقل قلبي. وصلنا إلى البيت، وأعددنا معًا مائدة الطعام التي يحبها. وبعد أن تناولنا العشاء، قبل يدي قائلا: "تسلم إيدك، الخضار جميل جدًا". وبينما كنت أنظف المكان، كان يقف خلفي يعد طبق الفاكهة.

وفجأة، شعرت بدافع غريب جعلني أقول له: "أوعى تمشي وتسافر بعيد، أنا ما زلت أحتاجك". 

لا أدري لماذا خرجت هذه الكلمات من أعماقي، لكنه أجابني قائلا: "والله يا حبيبتي، الشيء الوحيد الذي سيبعدني عنك هو الموت"، ثم أضاف وصية لم أدرك وقتها مغزاها: "السيارة الكبيرة لك، أما السيارة الصغيرة فعندما يأتي ابني من أمريكا أعطيها له". نظرت إليه بدهشة وقلت: "وكيف آخذها وهي ليست باسمي؟". فأجاب بإصرار: "لا بد أن أكتب لك كل شيء".

حاولت الهروب من خوفي بالمزاح، فقلت له: "إيه الأفلام الهندي دي؟ هو إنت عندك موعد الليلة؟ طب قولي الساعة كام!". فضحك كثيرًا حتى اغرورقت عيناه بالدموع واحمر وجهه، وكأنه يقول لي عبارته المعتادة: "آه يا بنت الناصحة... قرأتيني كالعادة". لكنه هذه المرة لم ينطقها.

خرج بعدها ليطعم قطة المنزل، ثم عاد لينام. كانت الساعة تقترب من الثالثة فجرًا، ولم يبق على أذان الفجر سوى ساعة ونصف، بينما كانت إذاعة القرآن الكريم تنساب بهدوء في الغرفة كما اعتاد دائمًا.

وفجأة، شعرت وكأن زلزالاً يضرب المكان. استيقظت لأرى جسده يتحرك بعنف فوق الفراش. حاولت الإمساك به، لكن المشهد كان أكبر من قدرتي على الفهم أو السيطرة.

ومع أول تكبيرة لأذان الفجر، سكن الجسد، وارتقت الروح الطيبة إلى بارئها.

وجاءت ذكراه الثانية في وقفة عيد الأضحى المبارك، وما زالت الأيام منذ رحيله تبدو لي وكأنها ألف عام. وأشعر أحيانا أن الله سخر له ملايين القلوب في ذلك اليوم المبارك لتدعو له بالرحمة والمغفرة.

عشت مع هذا الرجل عن قرب، ورأيت كيف يكون احترام المرأة بالفعل لا بالكلمات. كان شريكًا مثاليًا، حنونًا، وصديقًا، وتوأم روحي حقيقة.

وأذكر أن أخي كان يدعوه أحيانًا للخروج معه إلى أحد المقاهي، فكان يبتسم ويجيب ببساطة: "القهوة والصاحب هي زوجتي".

هذا هو الرصيد المعنوي الذي يمدني بالقوة والحياة

إنه ميراث أولاد الأصول الحقيقيين، وهو عندي أثمن من مال قارون

لذلك أقول لكل من يبحث عن شريك حياة: أحسنوا الاختيار. لا تجرحوا بعضكم بعضًا، فالحياة أقصر مما نتخيل. اصنعوا بينكم رصيدًا من المودة والرحمة والاحترام والإيثار والمشاعر النبيلة، فالمال مهم للحياة، لكنه ليس كل شيء.

ورسالة أخرى إلى كل الأزواج: أمنوا أسركم، واحفظوا حقوقهم المادية والشرعية، خلال حياتكم، حتى لا تتركوهم فريسة للنزاعات أو أطماع بعض الورثة.

وأخيرًا:

إلى روح  الزوج المحترم ألف سلام ورحمة، وألف دعاء لا ينقطع.

كلمات البحث
اقرأ أيضًا: