بداية دعونا نطرح عدة أسئلة سنبني عليها كتابتنا:
السؤال الأول: هل تحققت نبوءة الأديب الكبير عباس العقاد، عندما قال عبارته الشهيرة: "بدأ عصر القدم وانتهى عهد القلم"؟!
الثاني: ما المقصود بهذه العبارة ودلالاتها المجازية؟!
الثالث: ما الأسباب الرئيسة التي جعلت الأقدام تعلو على الأقلام؟!
الرابع: لماذا أقدم كثير من الكتاب أصحاب الأقلام الحرة على ترك أقلامهم وتوقفوا عن الكتابة، ولماذا أقدم كثير منهم على عرض مكتباتهم الخاصة للبيع؟!
الخامس: إذا ما حدث ذلك فعليًّا فأين سيكون موقع ثقافتنا المصرية على الساحة؟!
السادس: ما السبل الناجعة للعودة بالقلم إلى محل الصدارة؟!
ستة أطروحات تحتاج كل واحدة منها إلى مقال مستقل، لكن سنحاول قدر استطاعتنا إيجازها لعل وعسى نجد لها إجابات شافية.
فإنه عندما طرح العقاد -رحمه الله- هذا الطرح لم يكن مقصده لعبة بعينها؛ سواء كانت كل أنواع ألعاب الكرة أو رياضة بعينها، فليس رجل بقامته وثقافته وأدبياته سيرفض الرياضة، فالرياضة منهج حياة، وبها تحيا الأبدان، فالعقل السليم في الجسم السليم، بل وكانت إحدى الفضائل التي دعا إليها سقراط، فضيلة التربية البدنية، وهذا ما ذكره أمير المؤمنين عمر بن الخطاب، علموا أولادكم السباحة والرماية وركوب الخيل.
لكن ما يقصده أديبنا ما يحدث من ملهاة وانشغال الناس عن الأمور المهمة ولهاثهم خلف مشاهدة نزالات كرة القدم، أو مشاهدتهم لكل ما هو غث، وانشغالهم عن كل ما هو ثمين، وكل ما هو هادف، كانشغال الناس عن -مثلاً- قضايانا الدينية، أو مشكلاتنا الاقتصادية، أو قضايانا المجتمعية، أو مشكلة ثقافتنا المصرية إلى أين تسير، وهل تسير في الاتجاه الصحيح، وكيف ستتخلص ثقافتنا من عوائقها الممتدة طيلة عقود طويلة، لنخطو نحو إصلاح حقيقي، فالهدف الأسمى هو دفع عجلة التنمية الفكرية وتجاوز المصالح الضيقة التي تجعل المحصلة صفرية.
وبعد هذه المقدمة الطويلة، نأتي إلى الإجابة عن السؤال الأول، هل تحققت نبوءة العقاد، تحققت ولم تتحقق، هل هذا لغز؟! ليس لغزًا، وإنما تحققت في كثير منها، حيث تراجعت بعض القيم، وسطت موجات من السطحية، واختلط الحابل بالنابل، وأصبح الحراك الثقافي في مواجهة تحديات صعبة، فقد ظهرت تباينات مجتمعية حادة، فملايين الجنيهات تُنفق على أقدام لاعبي الكرة، وملايين أخرى تدفع لمشاهدة أنماط من الفن الهابط، فقد توارى عصر الطرب الحقيقي إلا ما رحم ربي، وعلت أصوات تفتقر إلى الموهبة، وللأسف الشديد يندفع نحوها بعض الشباب اندفاعًا غير مدرك لخطورته.
وتلك ظاهرة تسترعي الانتباه، ومن ثم ضرورة ملحة أن يتوقف أمامها علماء الدين وعلماء الاجتماع وعلماء النفس.
أما أن هذه النبوءة لم تتحقق كاملة، لأن هناك كتابًا حقيقيين فعلى الرغم من قلتهم إلا أنهم قابضون على الجمر لا يزالون يمسكون بأقلامهم صامدين يحاولون قدر استطاعتهم الإصلاح، على الرغم من محاولات التهميش أو قلة التقدير، إلا إنهم لا يزالون يكافحون ينافحون عن مبادئهم التي عاشوا عليها ومن أجلها بغية إصلاح مجتمعاتهم فتلك رسالتهم النبيلة.
لكن السؤال الذي يطرح نفسه أمامنا جميعًا إلى متى سيظلون صامدين؟! أليس هؤلاء بشر تغلب عليهم طبائعهم البشرية، أليس هؤلاء لهم حاجاتهم المادية، ألا يريدون أن يأكلوا ويشربوا وينفقوا على أسرهم، أليس لهؤلاء أعين يشاهدون بها أولئك الذين يحصدون الملايين دون عناء فكري، ويركبون أفخم السيارات ويذهبون إلى أرقى المصايف وغيرها من متع الحياة الدنيا.
وهؤلاء يعيشون على الكفاف، على رواتبهم الزهيدة، على تعاقداتهم إن كانوا كتابًا في الصحف أو المجلات أو المواقع الإعلامية، تعاقداتهم التي لا تتجاوز الألف جنيه أو الألفين.
إلى متى سيصمد هؤلاء أمام الغلاء المعيشي الفاحش، إلى متى سيظلون واقفين دونما أن يصيبهم الإحباط.
إلى متى سيظلون محافظين على قيمهم بينما تتصدر واجهات المشهد نماذج تُغدق عليها الجوائز والتكريمات، ويتبوأون أعلى المكانات لمجرد أنهم يواكبون الموجة السائدة.
هل سألنا أنفسنا، لماذا أقدم التوحيدي على إحراق كتبه، لماذا أصابه اليأس والقلق الوجودي، لماذا امتهن مهنة الوراقة، لأنه هُمش وضرب به وبفكره عرض الحائط وراح يتلمس قوت يومه هذا يعطيه وآخر يمنعه، فأصابه اليأس.
أما سألنا أنفسنا لماذا أقدم أحد كبار الكتاب على عرض مكتبته للبيع، لأنه لم يجد ما ينفق به على أسرته، لأنه لم يستطع تلبية النذر اليسير من متطلبات أولاده، أليس هؤلاء الأبناء بشر يشاهدون ويتابعون من ينفقون آلاف الجنيهات على مصايفهم في أفخم المنتجعات السياحية.
إذا توقف هؤلاء الأدباء عن الكتابة فهل ستقع لائمة عليهم، لا نريد شعارات ومثالية زائدة فجميعنا يحفظ هذه الشعارات عن ظهر قلب، فالالشعارات والهتافات وشاشات التلفاز لن تطعم أولادنا ولن تحقق لنا حياة كريمة.
لكن إذا حدث وتوقف أهل الإبداع عن إبداعاتهم - لا سمح الله - وقتها سننتظر الطامة الكبرى، فسيحدث ما لا تحمد عقباه سينهار صرح ثقافتنا التي نحاول قدر المستطاع الإبقاء على البقية الباقية منها، ومحاولة جبر كسرها ورأب تصدعاتها المستمرة، فما بالنا إذا توقف الأدباء والكتاب والشعراء وأهل الفن الحقيقي عن إبداعاتهم، وقتها لن نلوم إلا أنفسنا، وقتها لن ينفع الندم.
هذا هو الداء الذي في اعتقادي أنه ليس عضالاً، فما خلق الله من داء إلا وجعل له دواء. والعلاج الناجع من وجهة نظري يتلخص في النقاط التالية.
أولاً: توفير حياة كريمة للكتاب أصحاب الأقلام الرشيقة المعتبرة التي تريد إصلاحًا حقيقيًّا وتريد الخير للبلاد، عن طريق الاهتمام بمعاشاتهم، ومن يريد الاستمرار في جريدته يتم التعاقد معهم بأجور محترمة تساعدهم على معيشتهم بالإضافة إلى معاشهم.
ثانيًا: البحث عن الكتاب الحقيقيين أصحاب الأقلام المحترمة، ووضعهم في أماكنهم التي يستحقونها، مع ضرورة الاهتمام بشباب الكتاب إضافة إلى خبرات كبار الكتاب.
ثالثًا: وضع خطة عمل متكاملة تجمع وزارات الشباب والرياضة والثقافة والتربية والتعليم والتعليم العالي لخلق نوع من التكاملية، فكما نهتم بالرياضة نهتم بالثقافة.
رابعًا: تنظيم مسابقات ثقافية دورية يقوم على تنظيمها أهل الثقة من المثقفين المعتبرين، يديرون هذه المسابقات بموضوعية لإعطاء كل ذي حق حقه بعيدًا عن الشللية والمحسوبية والوساطة.
خامسًا: ضرورة التنسيق بين جميع لجان المجلس الأعلى للثقافة، وعقد ندوات بينية تجمع كل التخصصات، وتجمع كل الكتاب الذين برعوا في الكتابة، فضلاً عن ضرورة البحث عن كتاب جدد، خصوصًا من الشباب الذين تملأ كتاباتهم الساحة الثقافية، وإعطائهم الفرص حتى ينطلقوا فكريًّا فتسمو وترقى معهم ثقافتنا المصرية.
سادسًا: عقد دورات تدريبية، وورش عمل للتدريب على كيفية التعامل مع الرقمنيات ومخرجات الذكاء الاصطناعي مع توضيح مآثره ومثالبه، مع توجيه الكتاب إلى التعامل معه بحذر وأخذ الحيطة، فليس كل ما يقدمه الذكاء الاصطناعي من معلومات مأمونة الجانب.
أستاذ الفلسفة الإسلامية، ورئيس قسم الفلسفة الأسبق بكلية الآداب جامعة العاصمة