بل سنشجِّع طبعًا منتخبنا.. ماذا جرى لنا؟!

3-6-2026 | 13:10

الحرية حلوة. ووسائل التواصل الاجتماعي فتحت نوافذها لأقصى درجة. لكن الحرية أيضًا لها أحيانًا مثالب. الحرية قد تنهش المجتمع ببعض ما يتردد من آراء، في مختلف المجالات، من السياسة إلى الاقتصاد، ومن الفكر إلى الطب، وبالطبع تأتي كرة القدم في القلب.

ففي ظل اختلال المعايير قد تسري من آن لآخر موجاتٌ من الضباب، تُعمي الأعين عن البديهيات. لكن لا مفر. لا بديل عن أن يتكلم الناس، طالما كان الكلام تحت مظلة القانون، والكلام مهما باخ لا يُردُّ عليه إلا بكلام.

المدير الفني لمنتخب مصر لكرة القدم حسام حسن أعلن عن قائمة الفريق الذي سيمثل البلد في بطولة كأس العالم التي ستنطلق الأسبوع المقبل. ويومها؛ وقعت الواقعة.. سَرَتْ موجة من الغضب طفا على سطحها السؤال: كيف أقدَمَ على استبعاد أسماء بعينها، ومن أهمها اسم اللاعب مصطفى محمد؟!

لا بأس.. إنها حرية الرأي. الأمر مفهوم إلى هذا الحد. وكثيرًا ما حدث من قبل. لكن ما جرى بعد ذلك إثر تصاعد الموج بدا غريبًا، مريبًا، غير معتاد.

ففي الوقت الذي اعتاد فيه المصريون الالتفاف بسعادة حول منتخبهم، لا سيما في المرات القليلة التي وصل فيها إلى منافسات كأس العالم؛ ترددتْ نغمة شاذة على وسائل التواصل الاجتماعي معلنةً عدم تشجيع الفريق في البطولة، باعتبار أنه «منتخب حسام حسن وليس منتخب مصر»!

ما هذا؟!.. مهما يبلغ الغضب، بفعل محبة لاعب أو انحيازٍ لنادٍ؛ كيف نقول هذا؟! أهو حقيقي؟! لعله أمرٌ طارئ سرعان ما سيختفي! هكذا قلت لنفسي، لكنني وجدتني أغرق وسط أمواج النغمة التي علت وتتابعت!

في هذه الأثناء، شاهدتُ حوارًا لنجم الكرة المصرية وزير الشباب الأسبق طاهر أبو زيد، مع الإعلامي الأردني لطفي الزعبي في برنامج «ملعبنا» على قناة «المشهد».

في الحوار، أثيرت مسألة قرار محمود الجوهري المدير الفني لمنتخب مصر في بطولة كأس العالم 1990 استبعاد مشاركة «طاهر» أساسيًّا مع الفريق، وعدم الدفع به إلا لدقائق قليلة في إحدى المباريات، وهي الحكاية التي هزت الوسط الكروي في مصر وقتها، وكان لها ملابساتها، وقيل كلامٌ كثيرٌ حولها.

لكن ماذا قال طاهر أبوزيد نفسه في الحوار؟.. أكد أنه كان في أفضل حالاته فنيًّا، وأن المسألة كان لها تأثيرها الكبير عليه نفسيًّا، لكنه برغم هذا تحدَّث بأدب شديد عن «الكابتن الجوهري» ولم  يهاجمه.

دعكَ الآن من هذا كله، فقد مرت السنون، وهدأت النفوس، لكن الأهم هنا هو ما استدعته ذاكرتي حول الواقعة التي مر عليها ستة وثلاثون عامًا، فلم أستطع الهروب من المقارنة بين الحاضر والماضي.

آنذاك، أرغتْ الصحافة وأزبدتْ في الحديث عن مسألة «الجوهري وطاهر أبوزيد». مقالات وأخبار وتحليلات. كل النقاد تقريبًا أدلوا بدلوهم في بئر الحكاية. لكلٍّ رأيٌ ووجهة. ولا عجب. لكن ما لم يُكتب أو يُقل، لأنه لم يخطر أصلًا على بال، هو عدم تشجيع المنتخب في المونديال!

والآن.. يثور السؤال: ماذا جرى لنا؟! ما الذي تَغيَّر؟! العنوان الرئيسي في رأيي للإجابة هو: وسائل التواصل الاجتماعي.

وللتوضيح أكثر؛ أقول: إنه ليس مستبعدًا أبدًا أن يكون أشخاصٌ أو حتى قطاعٌ من الناس قد ثرثروا في المقاهي عام 90 بعد استبعاد طاهر أبوزيد بأنهم لن يشجعوا المنتخب. ربما يكون قد حدث، وربما لم يحدث. لكن الفرق هو أنه لم يكن هناك وقتها فيسبوك، بل كانت هناك صحافة!

لقد نجح الفيسبوك في أن يصنع من الثرثرة الفارغة - من الطب إلى الكرة- قضايا متداولة في الرأي العام، تثير حولها الاشتباك، بالرفض أو التأييد، برغم أنها في الأصل لا شيء، فراغٌ في فراغ.

قديمًا، كانت الصحافة تضبط الإيقاع، وتنتخب من كلام الناس ما هو قابلٌ أصلًا للمناقشة، ومهما بلغ الشطط فيما تتداوله الصحف كانت هناك ثوابتٌ وأسس، تتكسر على صخورها الصلبة أي موجات من العبث. كان ذلك هو الأصل وما عداه استثناءات.

ماذا جرى لنا؟! عندي إجابة أخرى للسؤال، برغم أنني لا أميل إلى استحضار نظرية المؤامرة في تفكيري، لكن - في المقابل- نفى المؤامرات بالكامل سذاجة تامة، لذا لا بد من الإشارة إلى احتمال مهم.

هذا الفراغ وذلك العبث الفيسبوكي، اللذان صرنا نحيا بين فكَّيْهما، من الطبيعي أن تستغلهما تياراتٌ بعينها لا تعترف بالأوطان، فيكفي أن تُلقي بعض لجانها الإلكترونية بالمقولة، ليتلقفها مصريون طيبون غاضبون، ويعيدوا تدويرها بحسن نية، لتكبر شيئًا فشيئًا كرة الفكرة، وتدهس في طريقها معالم الفرحة، ويتحلل ببطء - على مهل- معنى مهم، هو الانتماء.

وقد حدث مثل هذا بوضوح من قبل، عندما أعلن أتباع هذه التيارات تشجيع منتخبات إفريقية ضد منتخب مصر، وظهروا بالفعل في المدرجات في مباريات فاصلة أقيمت خارج البلاد.

لذا يُرجى الانتباه.. ويَلزَمُ التيقظ.. هذه فكرةٌ فاسدة، وتلك فخاخٌ ينبغي ألا نسقط فيها. هذا كلامٌ يجب ألا يقوله مصريون حقيقيون، مهما يكن الإعجاب بلاعب أو المحبة لنادٍ. منتخب الوطن أغلى وأكبر من كل اللاعبين والفرق.

فليضم حسام حسن إلى الفريق من يشاء، ويستبعد من يشاء، وليقل الكل رأيه بحرية في الاختيارات. لابأس. لكننا في كل الأحوال سوف نشجع «منتخب مصر» في المونديال. سنتحلق جميعًا في المقاهي والبيوت أمام الشاشات. سنهتف للاعبينا في كل المباريات. سنزأر مع كل هجمة أو هدف. وستسكن الفرحة - بحول الله- قلوبنا بأداء منتخبنا، الذي سيعود مكللًا بالشرف.

كلمات البحث
اقرأ أيضًا: