في الاجتماع الذي عقده الرئيس عبدالفتاح السيسي مع رئيس مجلس الوزراء ووزير التعليم العالي والبحث العلمي في نهاية شهر مايو الماضي، كان من الممكن أن يتوقف المتابع أمام أرقام كثيرة. فهناك 129 جامعة مصرية بين حكومية وخاصة وأهلية وتكنولوجية وأفرع لجامعات أجنبية. وهناك خطط لتوسيع الشراكات الدولية، وربط البحث العلمي بالصناعة، وبناء اقتصاد المعرفة، وجذب الطلاب والباحثين من الخارج. وكلها مؤشرات مهمة على حركة واسعة تشهدها منظومة التعليم العالي في مصر.
غير أن ما استوقفني في هذا الاجتماع لم يكن الأرقام، وإنما الفكرة التي كانت حاضرة خلفها جميعاً. فقد تكرر الحديث أكثر من مرة عن "بناء الإنسان المصري"، وكأن الدولة تحاول أن تقول إن جوهر معركة التنمية لا يكمن فقط في تشييد المباني أو إنشاء المؤسسات، وإنما في إعداد الإنسان القادر على إدارة هذه المؤسسات وصناعة مستقبلها.
وهنا وجدت نفسي أعود بالذاكرة أكثر من عشرين عاماً إلى اليابان. ففي مطلع الألفية الجديدة، عندما سافرت إلى هناك لإعداد رسالتي الماجستير ثم الدكتوراه، كنت أعتقد، مثل كثيرين غيري، أن سر اليابان يكمن في التكنولوجيا المتقدمة، أو في الإدارة الدقيقة، أو في الانضباط الذي أصبح جزءاً من الصورة الذهنية الشائعة عن المجتمع الياباني. ولم يكن ذلك التصور خاطئاً، لكنه لم يكن كاملاً.
فمع مرور السنوات، بدأت أكتشف أن وراء كل هذه المظاهر قصة أعمق. وأن اليابان التي خرجت من الحرب العالمية الثانية مدمرة وفقيرة في الموارد الطبيعية، لم يكن أمامها سوى أن تستثمر في الثروة الوحيدة التي تملكها، وهي الإنسان.
وهنا بدأت أفهم معنى مختلفاً للتعليم. أتذكر أن أول لقاء جمعني بأحد أساتذتي اليابانيين لم يكن حول موضوع الرسالة أو قائمة المراجع أو خطة البحث. كانت أسئلته تدور حول حياتي اليومية في اليابان، وقدرتي على التكيف مع المجتمع الجديد، ومدى فهمي للغة والثقافة اليابانية، وكيفية تنظيم وقتي والتعامل مع الآخرين.
في ذلك الوقت بدت لي هذه الأسئلة بعيدة عن العمل الأكاديمي. لكنني أدركت لاحقاً أن الرجل لم يكن يتعامل مع طالب يعد رسالة علمية فقط، بل مع إنسان يجري إعداده ليكون جزءاً من مجتمع معرفي ومهني له قواعده وقيمه.
وهنا تكمن إحدى الخصائص اللافتة في التجربة اليابانية. فالأستاذ الجامعي هناك ليس مجرد ناقل للمعرفة، وإنما شريك في صناعة الشخصية. والجامعة ليست مجرد مؤسسة تمنح الدرجات العلمية، وإنما مؤسسة لإعداد الكفاءات البشرية التي تحتاج إليها الدولة والمجتمع.
ولذلك لم يكن غريباً أن أجد في الجامعات اليابانية اهتماماً كبيراً بما يمكن تسميته "التربية المهنية"، أي غرس قيم المسئولية والانضباط واحترام الوقت والعمل الجماعي والقدرة على التعلم المستمر. كانت هذه القيم تُنقل إلى الطلاب بنفس الجدية التي تُنقل بها المعرفة العلمية.
وعلى المستوى الأكاديمي، تعلمت درساً آخر لا يقل أهمية. فقد كان البحث العلمي في نظر أساتذتي عملية تراكمية طويلة، لا سباقاً سريعاً نحو النتائج. وكم من مرة أعادني أحدهم إلى نقطة البداية لأن السؤال الذي أطرحه لم يكن قد نضج بعد. وأذكر أن أحد أساتذتي في جامعة صوفيا بطوكيو كان يردد دائماً أن الباحث الجيد لا يبدأ بالبحث عن الإجابات، وإنما بالبحث عن الأسئلة الصحيحة. وقد بدا لي آنذاك أن هذه مجرد حكمة أكاديمية، لكنني أدركت لاحقاً أنها تعبر عن فلسفة كاملة في التفكير وفي إدارة المعرفة.
ومن زاوية أخرى، لم تكن الجامعة اليابانية منفصلة عن المجتمع أو الاقتصاد. فالأبحاث العلمية كانت مرتبطة باحتياجات الصناعة، والابتكار كان جزءاً من عملية التنمية، والعلاقة بين الجامعة وسوق العمل كانت علاقة عضوية لا شكلية.
ولعل هذا ما يفسر أهمية ما طُرح في الاجتماع الرئاسي الأخير بشأن ربط البحث العلمي بالصناعة، وتحويل المعرفة إلى قيمة اقتصادية، وتشجيع الابتكار وريادة الأعمال. فالدول التي نجحت في بناء اقتصادات المعرفة لم تفعل ذلك عبر قرارات إدارية فقط، وإنما من خلال بناء منظومة تجعل الجامعة جزءاً من مشروع التنمية الوطنية.
ومن بين ما لفت انتباهي أيضاً في الاجتماع الحديث عن تطوير قدرات أعضاء هيئة التدريس وتعزيز الشراكات مع الجامعات العالمية. وهي نقطة بالغة الأهمية، لأن جودة التعليم لا يمكن أن تتجاوز جودة من يقدمونه. لقد أدرك اليابانيون مبكراً أن بناء الإنسان يبدأ من بناء المعلم والأستاذ. ولذلك لم يتعاملوا مع أعضاء هيئة التدريس باعتبارهم موظفين في جهاز إداري، بل باعتبارهم أحد أهم أصول الدولة الإستراتيجية.
ومن هنا تبدو دلالة ما يجري في مصر اليوم أوسع من مجرد تطوير قطاع التعليم العالي. فحين يتحدث الرئيس السيسي عن بناء اقتصاد المعرفة، أو عن تعزيز تنافسية الجامعات المصرية، أو عن تطوير مهارات الشباب، فإنه في الواقع يتحدث عن قضية واحدة، وهي كيف نصنع الإنسان القادر على مواجهة تحديات المستقبل؟
فالدول في القرن الحادي والعشرين لا تتنافس بما تملكه من أرض أو موارد فقط، وإنما بما تملكه من عقول قادرة على التفكير والإبداع والابتكار. وهناك، في تلك المنطقة الفاصلة بين التعليم وصناعة الإنسان، يكمن السر الذي صنع اليابان، وربما يكمن أيضاً أحد أهم مفاتيح المستقبل المصري.
رئيس وحدة العلاقات الدولية وبرنامج دراسات الطاقة
في مركز الأهرام للدراسات السياسية والإستراتيجية
وزميل كلية الدفاع الوطني في الأكاديمية العسكرية للدراسات العليا والإستراتيجية