الخليج بين هجمات إيران وتهديدات ترامب

3-6-2026 | 13:11

يبدو مستقبل منطقة الخليج بات رهينة ما بين هجمات إيران وتهديدات دونالد ترامب، وتثير التطورات الأخيرة مخاوف من تفجر الحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران بصورة شاملة، وذلك في ظل تعقد جولات التفاوض، وعدم التوصل لإطار اتفاق حتى الآن. 

والاحتمال القوي بتفجر ما بات يعرف بحرب الخليج الرابعة يثير ما هو أكثر من القلق لدى مواطني وحكومات في دول الخليج، وذلك في ظل احتمال انزلاق المنطقة إلى "حالة دمار غير مسبوقة" فيما لو تصاعدت المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران، بما قد تكون له تداعيات على الأمن والاستقرار الاقتصادي وفرص التنمية في المنطقة.

وفي نفس الوقت تسعى دول الخليج إلى الحفاظ على توازن علاقاتها بين واشنطن وطهران مع تصاعد توترات مضيق هرمز، ولكن ذلك ليس بالأمر اليسير حتى على سلطنة عمان.

وفي هذا السياق، كتب الأكاديمي العُماني المختص في العلاقات الدولية وشئون الخليج والشرق الأوسط، الدكتور عبدالله باعبود، على منصة "إكس"، أن "الحقائق الجيوسياسية تفرض علينا الحفاظ على علاقات جيدة مع جارنا إيران، بغض النظر عن طبيعة نظامه، وفي الوقت نفسه الحفاظ على علاقات قوية مع الولايات المتحدة، والمساعدة في الوساطة بينهما".

وأضاف في التغريدة نفسها أن "المفارقة أننا نتعرض لهجمات من الطرف الأول وتهديدات من الطرف الثاني".

وجاء ذلك بعد تهديد ترامب وإدارته بفرض عقوبات على سلطنة عُمان إذا تعاونت مع إيران في إدارة مضيق هرمز، وهو ما أثار جدلاً واسعًا وسط تساؤلات حول مقصدها وتداعياتها. وما زال المراقبون بالمنطقة في حالة حيرة من تخبط إدارة ترامب، وعدم تصرفها بتعقل مع شركائها بالمنطقة، وخاصة سلطنة عمان، التي ساعدت واشنطن كثيرًا، وخاصة في التوصل لاتفاق مع إيران حول ملفها النووي في عهد باراك أوباما.

وتُلقب مسقط بـ"سويسرا الشرق الأوسط" بفضل انتهاجها سياسة خارجية مستقلة راسخة، تشكّلت عبر تاريخها وموقعها الجغرافي.

وتُعرف سلطنة عُمان بكونها إحدى أكثر الدول هدوءًا في محيطها الإقليمي، حيث رسخت عبر عقود نهجًا قائمًا على الحياد الدبلوماسي، ومرتكزه التوازن في علاقاتها الدولية.

وقد مكنها هذا النهج من بناء شبكة علاقات دبلوماسية مع أطراف متباينة؛ إذ تحتفظ بشراكة وثيقة مع الولايات المتحدة، إلى جانب علاقات إيجابية مع إيران. وأكسب هذا التوازن الدبلوماسي السلطنةَ وصف "سويسرا الشرق الأوسط"، ما ينعكس على خطابها العام.

وتحاول مسقط السير على خيط رفيع بين واشنطن وطهران، وكشفت صحيفة لوموند الفرنسية أن واشنطن تخشى أن تساعد سلطنة عُمان في الحفاظ على حالة من "اللا حرب واللا سلم" من خلال اصطفافها إلى جانب طهران. كما لفتت إلى أن مسقط كانت الجار الوحيد الذي رحب بتنصيب المرشد الأعلى الجديد لإيران، مجتبى خامنئي، بعد مقتل والده، فضلاً عن مواصلة عُمان محادثاتها مع إيران لتحديد "التنظيم الجديد للمضيق"، حسبما تدعي طهران.

وقال أندرياس كريغ، المحاضر الأول في مدرسة دراسات الأمن بكلية كينغز في لندن، إن "العُمانيين يتسمون بالغموض في تواصلهم"، مشيرًا إلى أن السلطنة تسعى إلى الحفاظ على موقعها ضمن "الحياد الإيجابي".

وأضاف كريغ، في تصريحات لصحيفة "لوموند"، أنه "إذا ما فرض العُمانيون رسومًا أو شيئًا مشابهًا، فسيُعد ذلك خطًا أحمر بالنسبة لجميع دول الخليج الأخرى". واعتبر الباحث أن تهديد ترامب بقصف إحدى دول الخليج لا يعكس إلا "تزايد حالة اليأس" لدى الولايات المتحدة في هذه المفاوضات. 

وأغلب الظن أن ترامب يحاول الضغط على مسقط، مثلما يفعل مع الجميع، لمساعدته في الخروج من مأزق الحرب التي تورط فيها، بتحريض نتنياهو، ضد إيران.
وبينما يتحدث ترامب عن مقترح أمريكي جديد قال إنه أكثر صرامة، تكتفي طهران بالتأكيد على أن عملية تبادل الرسائل عبر الوسيط الباكستاني لا تزال مستمرة.

ولقد كشف التليفزيون الرسمي الإيراني عن وثيقة مسربة لمسودة الاتفاق، يقول فيها إن مذكرة التفاهم منحت طهران الصلاحية الكاملة للإشراف على حركة الملاحة البحرية في مضيق هرمز، وسمحت لها بتقاضي مبالغ مالية مقابل الخدمات الفنية واللوجستية التي تقدمها.

كما أشارت التسريبات إلى أن مفاوضات قطر حصلت من خلالها إيران على ضمانات بالإفراج عن 12 مليار دولار من أموالها المجمدة، من دون أن تتمكن الولايات المتحدة من تجميدها مرة أخرى.

ويرى الخبراء أن حجم التناقضات في السردية الإيرانية مقارنة بالسردية الأمريكية يشير بوضوح إلى ضرورة ظهور مقترحات جديدة تحول دون انهيار ما تم التوصل إليه بجهود باكستانية. 

وتأتي تصريحات قائد الحرس الثوري الأسبق محسن رضائي، الذي يشغل حاليًا منصب مستشار المرشد الأعلى، في هذا السياق، إذ قال إن التناقض في التصريحات الأمريكية يشير إلى أن ترامب يحضر لـ"خيانة طاولة المفاوضات" مرة ثالثة، في إشارة إلى جولتين سابقتين من المفاوضات بين طهران وإدارة الرئيس ترامب انتهتا بحربين شنتهما الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران.

ويبقى أن تصريحات أطراف الأزمة تعكس حالة ارتباكٍ وجمودٍ في مسار التسوية السلمية، وتشير مصادر عربية وخليجية مطلعة إلى تحركات تسعى إلى إنعاش مذكرة التفاهم التي كان من المفترض توقيعها خلال الأسبوع الماضي، والتي باتت اليوم تحتضر في ظل تناقض المواقف بصورة كبيرة. 

وتحاول مصر والسعودية وتركيا وقطر وسلطنة عمان وباكستان السباق مع الزمن لانتشال منطقة الخليج من الوضع الصعب بين مطرقة واشنطن وسندان طهران.

وفي واقع الأمر الخليج ليس وحده، بل بقية المنطقة والعالم، بات رهينة هذا الصراع الذي يتأرجح ما بين حافة الحرب والوعد بالسلام. 

كلمات البحث
اقرأ أيضًا: