تلك الأقدار أعيشها وأتنفس أريج الأمل فيها مع قسوة الأيام.. وتلال من الصبر والألم.. ووحشة تطبق على أنفاس وحدتي تكاد تخنقني.. وليل طويل حالك سواده إلا من هالة نور أطلت في آخره وكأنها إشراقة يوم يأتي من بعيد.. أولد فيه روحًا جديدة وأمًّا مرتقبة على أطلال رحم غائب..
موضوعات مقترحة
مشوار طويل عشته في الدنيا منفردة إلا من شقيقتي التي بات عليَّ في آخر زمان مشواري الطويل أن أحل محلها، كيف أكونها وأمحو صورتها؟ هل تفرض الأقدار عليَّ واقعًا لا أقوى عليه؟
كنا روحًا واحدة في جسدين ليس لنا في الدنيا أحد غير جدران صماء تتزين بتجاعيد عمر مضى وذكريات نأتنس بها في غربة بعيدة نحياها سويًّا منذ رحيل والدنا ومن بعده والدتنا..!
انزوينا بأيامنا كل منا أب وأم حتى بات الفراق لحظة لا بد منها وكأنها الموت يأتي فجأة بلا مقدمات، عندما أتى رجل يريد الزواج من أختي أحسست بنوع من السكتة الحياتية فقد كُتب عليَّ أن أعيش منفردة وحيدة، صحيح أن أختي لم تفارقني كثيرًا، تكررت زياراتها لي بشكل شبه يومي مما خفف عني وحدتي بعض الشيء ولكني في النهاية أعيش وحدي ولم يكن هناك أمل في زواجي من شخص أحبه ويحبني فلم أكن على مستوى جمال أختي.
عشت الأيام طولاً وعرضًا لا أعرف لها تباينًا غير تلك اللحظات الخاطفة ألتقي فيها شقيقتي كل بضعة أيام حتى اختلفت الحياة كلية بمقدمها، ملاك صغير أشرق في حياتنا وصبغها بألوان الربيع بعد أن كانت داكنة موحشة.
أنجبت أختي طفلتها كي أعيش أنا إحساس الأمومة وأسخر حياتي كلها خدمة للصغيرة، لم أعد أشعر بالوحدة ولا وحشة الافتراق عن توأم روحي وشقيقتي، عوضتني بملائكيتها حتى عن نفسي وأحلامي.
وتمضي الأيام خاطفة وتكبر ابنتنا وتشعل البيت شقاوة وحبًّا، تجري هنا وهناك ولكن أيام السعادة قصيرة وكأننا لسنا أهلاً لها، سقطت أختي مريضة بمرض عضال ينخر في عظامها كالسوس في جدار شجرة عتيقة يوشك أن يسقطها.
تجمدت الحياة أمام سيطرة مرض السرطان على مقدرات أختي، نتألم لها ومعها، نصارع الموت ونلهث وراء سرابيات الكيماوي وجلسات الأشعة وعلاجات تزيد من مساحة الجفاف في حياة امرأة شاخت وهرمت في عمر الثلاثين.
لم يكن لنا في أمرنا شيء غير صبر مكلوم نتجرع مرارته يقينًا في نهاية باتت محتومة، انتظارها مؤلم وتصورها مخيف حتى وقعت الواقعة.
ماتت أختي وارتاحت روحها المعذبة وما ارتاحت روحي، بقي الجسد مني هشًّا ضعيفًا وقد خلا من كل أسباب الحياة إلا من أنفاس متلاحقة في عجل لعل الرحيل يقترب وألحق بها هناك حيث ترقد راضية مرضية.
ولكني استقويت على نفسي فما ذنب صغيرتنا أن تفقد كل ارتباطها بالدنيا، أمها ومن بعدها أنا، وجدتني أمام أمر حتمي بالعيش من أجلها، لا أتناسى أختي ولا أبارح آلام فراقها ولكني أبحث عنها في صغيرتها، أراها تُبعث من جديد في نظرات طفولية تتعالى شقاواتها وتكبر يومًا بعد يوم وكأن الدنيا لم تنتهِ بعد من عزف سيمفونية السعادة البريئة في حياتي وحياة زوج أختي الراحلة.
لو كانت الحياة استمرت على هذا لاكتفيت بها ورضيت بنصيبي منها حتى النهاية فما صبرني على قسوتها غير ابنة أختي تسعدني بمناداتها لي (ماما)، ولكن تداعيات الأقدار ما زالت تلاحقني بتحولات انقلابية تأخذ في طريقها كل شيء، السعادة والشقاوات الطفولية والذكريات الدافئة.
جاءني زوج أختي يريد الزواج مني، يقول إني الأم الحقيقية لابنته ولن تكون هناك امرأة أخرى غيري أمًّا لها وإنه يرى فيَّ صورة أختي الراحلة وقلبها المحب للدنيا كلها، صوّر لي الأيام القادمة وقد خلت من الأشواك ولحظات الألم، وعدني بالحب يسكن قلبه حيًّا نابضًا باسمي وليس عوضًا عن زوجة رحلت في ريعان شبابها، لاحقني برغبته ولم يبالِ بطعنات كلامه ينغرس نصلها في قلبي ويدميني حسرة وإحساسًا بالخيانة لشقيقة عمري وأم ابنتي..!
لم يكن حلمًا بعيدًا وتحقق لفتاة فاتها قطار الزواج ووصمها الناس بالعنوسة كأنها كائن زائد عن المجتمع لا حاجة لها بالحياة، لم أشعر بوقع الفرصة ولا إحساس البنت أنها مرغوبة وقد يئست من أن أشعر بإحساس كهذا يومًا ما.. واجهته أني امرأة لا تصلح للحياة.. وليس بإمكاني نسيان أختي واحتلال مكانها.. وليس في يدي شيء أقدمه له.. ولكنه تشبث بيدي متعلقًا بحياة جديدة لا يرى نفسه فيها إلا معي..!
قال إن هناك واجبًا عليَّ ورسالة في الحياة لا بد وأن أكملها، ابنتنا نبع الحياة وبهجتها.. امتداد روح شقيقتي وفؤادها.. كيف أتخلى عنها وعنه؟
ليست حيرة بالمعنى المفهوم لها ترددًا بين أمرين أحلاهما مر ولكنه إحساس بأني تائهة لا أدري إلى أي أمر أنا مقبلة، هل هي إرادة الله وحكمته أن أجلس في موضع أختي؟ هل تتراءى لي أنوثتي مع رجل لم يكن يومًا لي وكنت أرى حبه في عين أختي؟ هل.. وهل.. ومئات الأسئلة كألسنة اللهب تحرق الوعي مني لا أدري معها من أمر نفسي شيئًا.
(م . ن)
تلك هي الحياة نكابدها ونصارع أنفسنا وما تزينه لنا دومًا حتى تستقر النفس وترضى، والرضا قناعة بما قد لا يتوافق مع رغباتنا بشكل كامل ولا مفر إلا منه..
ما أقسى قلبكِ عليكِ يا ابنتي! ما كل هذا التعذيب لروحكِ والجلد لذات لا ذنب لها في شيء.. هل لكِ شيء فيما يقدره الله على عباده.. هل تحاسبين نفسكِ على ما لم تقترفيه وتمنعين ما أحل الله بحجج واهية؟
إنما يريد الله بنا الخير دائمًا حتى وإن قست علينا الأقدار، وأختكِ لم تأخذ من الدنيا غير عمر مكتوب ومحدد مسبقًا، وما خُلقت الصغيرة البريئة إلا لتكوني أمًّا لها ولو كان هذا من غير رحم، لكنكِ بالفعل رحم لها من توأمتكِ (أقصد أمها بالرحم)، فهل تملكين رفض قدر قدّره الله عز وجل على عباده؟ ثم إن الرجل لم يحد عن الصواب عندما رأى فيكِ خيرًا لنفسه وابنته، فلا يكن رد فعلكِ فقدانكِ للثقة في نفسكِ وفيما قسمه الله لكِ، وتذكري يا ابنتي قول الله تعالى في كتابه الكريم من سورة آل عمران: ﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَابًا مُؤَجَّلًا وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الْآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ﴾ صدق الله العظيم.