لم يكن محمد صلاح موفقًا في تصريحاته الأخيرة أثناء معسكر منتخب مصر في روسيا، والذي فاز فيه المنتخب بهدف دون رد.
جميعنا متحيزون له؛ فهو الظاهرة الأكثر تأثيرًا في مسيرتنا الرياضية، ليس فقط عبر السنوات التسع التي بدأ فيها رحلته العالمية، وهي لم تنتهِ بعد، بل لأنه قادر على الاستمرار بالروح نفسها والشغف ذاته والقوة نفسها.
فليفربول ليس آخر المشوار، ومن ثمّ ما كان له أن يخرج علينا بتلك التصريحات التي بدت وكأنه يعتزل الكرة، إذ عبّرت عن حالة حزن وانكسار يعيشها بعد أن أنهى تلك المرحلة، بينما هو قادم لا مغادر، وعليه من الآن أن يدرك ذلك جيدًا. ناهيك عن أنه سيقود منتخب مصر في نهائيات كأس العالم، المقرر انطلاقها في الحادي عشر من شهر يونيو، وفيها يمكنه أن يثبت مرة أخرى أن ليفربول ليس آخر المطاف. وبالطبع ليس ذلك اختبارًا لصلاح، لأنه ليس بحاجة إلى إثبات شيء، لكنه التحدي الأقرب الذي يمكن أن يستعيد فيه ما قد يكون فقده من ثقة، إن كان قد حدث وشعر البعض بذلك من خلال تصريحاته. فعندما يقول: “عندما غادرت مصر متوجهًا إلى أوروبا، كان أكبر طموحاتي أن يشعر الناس بأنني قدمت شيئًا حقيقيًا وملهمًا، وأن يجدوا في تجربتي درسًا يتعلمون منه”، فإننا نقول له: لم ينتهِ الحلم، ولا الإلهام، ولا الطموحات. وليكن لنا في رونالدو مثالاً؛ فقد تجاوز الأربعين، ولا يزال اسمًا مهمًا في بلده البرتغال، أو كمحترف يلعب مهاجمًا لنادي النصر السعودي في دوري المحترفين، ويُعد أحد أعظم اللاعبين في تاريخ كرة القدم. ما قاله محمد صلاح في معسكر المنتخب كان صادمًا للبعض؛ فهو لم يتجاوز السن التي تجعله يشعر بالإحباط، لكن تصريحًا مثل: “لقد ضحيت بمرحلة شبابي كاملة، ولا أعتقد أن هناك تضحية تفوق ذلك”، يبدو غير دقيق. فأنت تعيش مرحلة مهمة من حياتك، وقد قدمت ما يتمنى أي لاعب مصري، بل وأجنبي أيضًا، أن يعيشه على كل المستويات. ناهيك عن أنك حققت أمنياتك كلاعب، ومكاسب مادية، واسمًا محفورًا في تاريخ الكرة العالمية، ولا تزال قادرًا على تحقيق المزيد. أنت الآن في مرحلة الاستمتاع بما قدمت وما يمكن أن تقدمه بهدوء.
وهناك مرحلة من حياة اللاعب، أو حتى الممثل، يصبح فيها النضج والخبرة مصدرًا جديدًا للعطاء. ففي السينما مثلًا، لا يزال المخرج العالمي مارتن سكورسيزي، أحد أعظم مخرجي السينما، اسمًا له أهميته وتأثيره، رغم تقدمه في العمر، ولا يزال يقف خلف الكاميرا. قد يرى البعض أنها مقارنة غير جائزة، لأن عمر الرياضي قصير بخلاف عمر المبدع في الكتابة أو التمثيل، لكننا نتعامل هنا مع موهبة عمرها طويل، سواء كلاعب أو كمدرب مستقبلاً. ونحن نتحدث عن تسع سنوات كنا خلالها ننتظر كل لقاءات صلاح في الداخل والخارج، محليًا وعالميًا، ولا نزال نأمل أن يكون عنوانًا لفرحتنا في كأس العالم.
أمنياته الأخيرة تنم عن شعور بنهاية المطاف، فهو يقول: “الحمد لله، لقد وفقت في جعلكم تعيشون معي قصة خيالية لم يكن أحد يتخيل، ولا أنا نفسي، أنها ممكنة أو قابلة للتحقيق، لكننا عشناها معًا بأجمل وأبهى صورة ممكنة”. وهو كلام غير موفق في توقيته. حتى في أمنياته عندما قال: “أتمنى مخلصًا أن يشهد المستقبل ظهور لاعبين قادرين على تكرار ما حققته وتجاوزه نحو الأفضل”، فإنها كلمات كان يمكن أن تُقال يوم الاعتزال، لا اليوم. يقولها من خرج وأعلن اعتزاله، أو من ألقى سيفه وترك المعركة.
والحقيقة أننا جميعًا في معركة مع الحياة، تستمر ما دمنا نتنفس، دون أن نتوقف طويلًا لننظر إلى ماضينا ونقيس كم حققنا وكم نجحنا وكم فشلنا. كلمة أخيرة: سماسرة الأندية العالمية، وحتى العربية، قاموا بتحليل تصريحاتك جيدًا... ولم تكن في صالحك يا عزيزي.