من يراقب مشهد الصحافة والإعلام في مصر اليوم، يدرك أننا نواجه أزمة تحول رقمي ومزاجي وثقافي بالإضافة إلى التحديات الاقتصادية التي فرضتها التحولات العالمية، لكن الأخطر، أننا نقف أمام معضلة أعمق بكثير تشبه الانتحار الذاتي للمهنة. الخطورة هنا ليست في غياب الإمكانيات، بل في منهجية "أهل الصنعة" أنفسهم، الذين يصرون على النظر إلى الواقع من خلف عدسات "النظارة السوداء".
هم أول من يضربون المسامير في نعش هذه المهنة النبيلة؛ حيث تمنعهم تلك الغشاوة من رؤية الأولويات الحقيقية لوطن يمر بمرحلة هي الأدق في تاريخه الحديث، وتجعلهم يقدمون رؤى ضيقة وقصيرة وصغيرة على أولويات أهم وأوسع أفقاً، فلا تركوا القاطرة تسير ولا أضافوا فكراً جديداً، ولا منعوا فساداً يخلط الإعلام بالإعلان، ولا وضعوا حداً للإشاعات واللغو واللهو الإعلامي غير الهادف، ولا حتى قاموا بما وجب عليهم لسد أزمة الثقة بين الناس والإعلام بوسائله المطبوعة والمنطوقة والمسموعة، فلم ينجح أحد في مد الجسور من جديد، حتى تهاوت الفجوة واتسعت بشكل يزعج القيادة السياسية، ويثقل ذلك كاهل الجميع دون جدوى حقيقية، بل ويقفون أمامها واجمين حيارى.
ففي الوقت الذي تخوض فيه الدولة معركة حقيقية لإعادة صياغة الوعي، وتواجه المنطقة تحديات وجودية وأزمات اجتماعية عاصفة، نجد صناعة الصحافة والإعلام الواعي ما زالت تتشرنق داخل تعاليها المعهود وتراتبيتها القديمة.
فمثلاً، هذه التراتبية هي التي وضعت أسواراً وهمية حول ما يُسمى بـ "إعلام المرأة وقضايا المجتمع"، وصنفته كإعلام من الدرجة الثالثة، يأتي في ذيل الاهتمامات بعد السياسة والاقتصاد والرياضة، وكأن القائمين على المشهد يرتدون تلك النظارة السوداء ليحجبوا عن أنفسهم رؤية نصف المجتمع، وليتعاموا عن عمد مع قضايا هي في صلب الأمن القومي والاجتماعي.
هذا التصنيف دلالة صارخة على نهج عفا عليه الزمن، ينظر بنظرة مقيدة لا تعتبر بعبرة مما سبق، ولا تجد في تمكين المرأة سوى مساحة فرضت فرضاً ولا بد من "تكويتها" بشكل أو آخر لسلامة المشهد العام لا أكثر.
جذور المسيرة ثرية لا شك، بدأت بخطوات الرائدات في العصر الذهبي للصحافة والإعلام حيث كان حضورهن هو الأقوى تأثيراً آنذاك، والمتأمل سيجد أنه قد تدرج وتطور ليفتح آفاقاً ودوراً أوسع للمرأة، ولكنه ليس الأكبر بالضرورة، وإلا لمَ تقلصت رقعة الأسماء اللامعة من الصحفيات والإعلاميات والمحاورات اللاتي تلمع أسماؤهن في الفضاء العربي؟ كيف انكمش عدد كاتبات مقالات الرأي رغم تكاثر عدد الصحف والمواقع والمنصات الإعلامية؟ لم لا تمنح المرأة الثقة لقيادة إعلامية او صحفية تمثل ثقلا سياسيا؟ أين نجمات الصحافة والإعلام المعاصرات اللاتي يمثلن بلادهن في المحافل الإقليمية والدولية؟ كيف لا يشاركن بشكل مؤثر -لا بتمثيل ضئيل ومخجل- في لجان الحوار ومبادرات وضع السياسات الإعلامية وغيرها من المناقشات واللقاءات التي تهتم بمهنة منحت لها المرأة الكثير عبر تاريخها؟
وهنا يطرح سؤالٌ حول مكانة المجتمع والمرأة في عقيدة المسؤولين عن تشكيل الوعي؛ فكيف يستقيم الحديث عن بناء الإنسان بينما لا يتم فتح مجال أوسع وأكثر رحابة لدور حقيقي وفاعل وآمن للمرأة في الكتابة والتعبير عن الرأي والمشاركة في وضع السياسات والاستراتيجيات التي تؤثر على مستقبل الإعلام والصحافة المعبرة عن المجتمع؟ لقد تحرك القطار عن محطة البطل الأوحد والصوت الواحد، وأصبح كل عمل عام هو عمل مشترك ولا يمكن الرجوع إلى الخلف لمحطات قديمة لا تزال تتبع أهواء ضيقة.
إن المتأمل في حال الصحافة الجادة وكتابة الرأي والإعلام الهادف غير الترفيهي، سيلحظ بوضوح تراجع دور المرأة وحضورها في مساحات التأثير. ليس ناتجاً عن نقص في المواهب أو محدودية في القدرات النسائية التي أثبتت جدارتها في كل المحافل، بل هو نتاج مباشر لهيمنة ممتدة لعقود من العتمة المؤسسية والتراتبية البالية التي تنظر لإعلام المرأة ومشاركتها في محاور الرأي نظرة فوقية "تجميلية" لا تمت للواقع المعاصر بصلة.
صمام الأمان هو تحرك ووعي القيادة السياسية، بدعم مباشر من فخامة الرئيس عبد الفتاح السيسي، حيث منح هذا الملف قبلة الحياة من خلال الدفع بتمكين بعض القيادات النسائية في المواقع القيادية الصحفية والإعلامية، ويظهر هذا الدعم جليا في لقاءات الرئيس، صريحاً قوياً واضحاً ومؤمناً بقدرات المرأة المصرية، إلا أن مساحات التأثير والحركة والانطلاق لا تزال متقلصة وتقاوم هذا الضوء، وتفضل البقاء في مساحات الرؤية الضيقة لتبقى نسبة التمثيل النسائي متواضعة ولا تعكس حجم التضحيات أو الكفاءة الحقيقية أو العطاء الذي قدمته المرأة ولا تزال.
وبذات المنهجية، جرى تسطيح الإعلام المهتم بالثقافة والإبداع، وتفريغ مفهوم "القوة الناعمة" من مضمونه الحقيقي حتى مات المصطلح قبل أن يولد ويحدث أثره المأمول؛ فالإعلام الثقافي لم يعد مؤثراً ولا معبراً عن الهوية الثقافية المصرية، بعد أن تم تصنيفه عبر تلك الرؤية التراتبية الأنانية كرفاهية يمكن الاستغناء عنها، في حين أن الثقافة والإبداع هما خط الدفاع الأول عن وعي المواطن، والضوء الذي يبدد عتمة الأفكار الهدامة وخط الهجوم والدفاع الذي وجب استحضاره واستغلاله في المعارك الفكرية والسياسية التي تفرض علينا دون تأخير.
ارتداء "النظارة السوداء" عند التخطيط لمستقبل الإعلام يهدد استقرار المهنة ويكشف عواراً وخذلاناً منهجياً وثقافياً كبيراً، إذن، فقد آن أوان إعادة النظر وسن طريق يتسق مع طموحات أهل هذا البلد، ولتكن صحافة مصر صوت الوطن والمواطن معاً، عن حق.