عندما يكون الآخر مجرد شيء

30-5-2026 | 10:36

في إحدى حدائق الحيوان الأوروبية، كان الأطفال يتجولون بين الأقفاص بوجوه مفعمة بالدهشة والمرح.

كانوا يضحكون للقرود، يلقون إليها حبات الفول السوداني، ويمدّون أعواد القصب للفيلة، بينما يتزاحم الزوار لالتقاط الصور أمام الحيوانات الغريبة القادمة من أماكن بعيدة من العالم.

حتى تلك اللحظة، يبدو المشهد مألوفًا تمامًا؛ يوم عائلي هادئ داخل حديقة للحيوان.

لكن الحديقة كانت تضم شيئًا آخر.

خلف أحد الأسوار، لم يكن هناك دب أو نمر أو قطيع غزلان… بل أسرة كاملة من البشر.

رجل وامرأة وأطفال، جُلبوا من إحدى القبائل الإفريقية ليعيشوا أمام أعين الزوار كجزء من “المعرض”.

بشر لهم أسماء وأحلام وذكريات ومخاوف… لكن أحدًا لم يكن ينظر إليهم بهذه الطريقة.

لقد جرى اختزالهم إلى مشهد للفرجة، إلى كائنات “غريبة” قادمة من عالم أدنى.

قد يبدو الأمر اليوم صادمًا إلى حد يصعب تصديقه، لكن في بدايات القرن الماضي، عرفت بعض دول أوروبا بالفعل ما سُمّي يومًا بـ “حدائق البشر”، حيث عُرض أناس من إفريقيا داخل معارض وحدائق، كما تُعرض الحيوانات النادرة.

والسؤال المخيف ليس:
كيف فعلوا ذلك؟

بل:
كيف استطاعوا أن يفعلوه دون شعور خانق بالذنب؟

ولأن الإنسان نادرًا ما يحتمل رؤية نفسه كجلاد.

لهذا يبدأ الظلم الحقيقي قبل السجون والسياط بوقت طويل…

يبدأ في اللحظة التي يتوقف فيها الناس عن رؤية الضحية كإنسان كامل يشبههم.

عندها يصبح كل شيء ممكنًا:

القفص،
والاستعباد،
وحتى الإبادة

لم يكن العبيد الذين جُلبوا من إفريقيا مجرد ضحايا للجشع وحده.

كان لا بد أولًا من النظر إليهم باعتبارهم أقل إنسانية.

والشعوب التي احتُلّت وسُلبت ثرواتها، لم يكن يكفي للاستيلاء عليها الطمع فقط، بل احتاج الأمر أيضًا إلى خطاب طويل عن “الشعوب المتخلفة”، و”رسالة الحضارة”، و”حق الأقوى”.

الحروب الحديثة نادرًا ما تُقدَّم باعتبارها عنفًا صريحًا.

دائمًا توجد قصة أخلاقية جاهزة:
الأمن،
الحرية،
الاستقرار،
مواجهة الشر،
أو حماية العالم المتحضر.

أتذكر سياسيًا بارعًا ظل يكرر، في كل مقابلة تقريبًا، رواية شديدة القسوة عن مقاتلٍ انتزع قلب خصمه وأخذ يلتهمه بينما كان الخصم لا يزال حيًا.

كان يروي المشهد بمهارة شديدة، ثم يتوقف لحظة قبل أن يقول بثقة:

“نحن نمثل الحضارة في مواجهة البربرية.”

والمشهد بالفعل مؤلم ووحشي إلى حد يصعب احتماله.

لكن .. انظر من ذا الذي يتكلم؟ …
الرجل الذي يروي القصة هو نفسه متهمٌ في حروب أودت بحياة عشرات الآلاف نصفهم من الأطفال والنساء. 

كم مرة وقف قادة وسياسيون أمام الكاميرات يروون فظائع خصومهم بصدمة أخلاقية، بينما كانت أيديهم غارقة في دماء لا تقل فظاعة؟

فبينما كان السياسي يسلّط الكاميرا على جريمة مرعبة واحدة، كانت هناك مدن مدمرة، وأطفال لم يعرفوا من العالم سوى الخوف والجوع والركام، وأمهات يبحثن بين الأنقاض عن بقايا أحبّائهن.

وفجأة بدا المشهد كله كأنه:

جلاد يتحدث بصدمة أخلاقية عن قسوة جلاد آخر.

كل طرف يحاول أن يقدم نفسه باعتباره “الإنسان”، بينما الآخر ليس سوى تجسيد للهمجية أو الشر أو الإرهاب.

لأن تحويل الخصم إلى وحش ليس مجرد دعاية ناجحة… بل ضرورة نفسية أيضًا.

فالإنسان يحتاج دائمًا إلى قصة أخلاقية تسمح له بتحمل قسوته.

وربما لهذا، لم تبدأ أعظم المذابح في التاريخ بالسلاح أولًا…

بل بدأت حين نجح البشر في إقناع أنفسهم أن الضحية ليس إنسانًا كاملًا مثلهم.

(من كتاب قادم للمؤلف بعنوان: العالم الذي لا نفهمه.. رحلة في الأفكار التي نعيش معها كل يوم دون أن نتوقف طويلاً لنتأملها).

كلمات البحث