الحكومة تفتح الباب لمشاركة القطاع الخاص والسلاسل التجارية الكبرى في مباردة خفض الأسعار | محافظ البحيرة تتفقد مدارس كفر الدوار وتوجه بتكثيف الاستعدادات للعام الدراسي الجديد| صور | مراجعة مؤشرات أداء برنامج خدمات الصرف الصحي المستدامة فى الغربية| صور | محافظ أسيوط يتفقد جاهزية المدارس قبل العام الدراسي الجديد | محمد الشافعي يكشف كواليس أغنية «ويلي» في فيلم «ريد فلاج»: أتمنى تكسر الدنيا| فيديو | رئيس نادي طلخا: اللاعبان المتوفيان في واقعة جمصة غير مدرجين على السيستم | وزير الخارجية يستقبل نائب رئيس البنك الأوروبي لإعادة الإعمار والتنمية| صور | وفقاً لتوجيهات الرئيس السيسي.. مدبولي: تكليفات لكل المحافظات بزيادة الرقعة الخضراء والتوسع في زراعة الأشجار | من السكر والزيت إلى اللحوم ومنتجات الألبان.. تعرف على أسعار 30 سلعة مخفضة في منافذ وزارة التموين | الأهلي ينفي وجود أي حسابات على مواقع التواصل الاجتماعي للمدرب الحسين عموتة |

مدحت الجيار.. أيقونة ثقافية!

30-5-2026 | 10:34

ثلاثون عامًا.. ثلاثون عامًا من الصحبة الثقافية مع الدكتور مدحت الجيار. وفي كل هذه السنوات لم أرَ فيه إلا ما يراه النخيل في النخيل الآخر، ظلًّا واقفًا لا يميل، وجذعًا لا ينكسر للريح. لم يرفع صوته يومًا، لأنه كان يعلم أن الحقيقة لا تحتاج إلى حنجرة. لم يسعَ إلى منصب، لأنه كان يحمل منصبًا أعلى؛ منصب الكلمة الصادقة. لم يلهث خلف ضوء ولا شهرة، لأنه كان نورًا بذاته، والنور لا يلهث خلف انعكاسه.

كان يبني.. في صمت الذين يعرفون أن البناء الحقيقي لا يسمع، بل يرى بعد حين. كان يبني أجيالًا من الباحثين، يغرس فيهم حب المنهج قبل حب النتائج. لأن النتائج تموت، والمناهج تبقى.

وهذا -وأرجو من القارئ أن يسعني كما يسع النهر ضفتيه- هو ما يؤلمني كثيرًا. نحن في ثقافتنا العربية لا نكرم أحياءنا. نتربص بهم حتى يرحلوا.. ننتظر حتى يغادروا هذا العالم لنبكي عليهم، ولنقيم لهم الندوات، ولنكتب المراثي التي لا تمس جلدهم ولا تدفئ برد قبورهم. والراحلون لا ينفعهم بكاؤنا. أما الأحياء فكانوا في أمس الحاجة إلى كلمة طيبة، إلى يد تمسح على كتف متعب، إلى شعور بأن تعب العمر لم يكن سرابًا.

والآن.. ولتكن الصراحة شجاعة؛ النقد الأدبي في بلادنا ليس سلعة تروق للجمهور. لا يشتري الناس كتب النقد في المطار، ولا يتسابقون لاقتناء دراسة في صورة شعرية أو تحليل عروضي. فالجمهور يحب ما يلهيه، والنقد لا يلهي.. بل ينبه، يوقظ، يجرح أحيانًا. لكن هذا -ولا بد من تأكيده- لا يحط من قدر رجال حملوا هذه الرسالة على أكتافهم في زمن قل فيه من يحمل غير جيوبه.

الدكتور مدحت الجيار واحد من القلة الذين فهموا أن النقد ليس انطباعًا عابرًا، ولا نزوة عابرة، وأن النقد منهج يبنى بحكمة، وعلم يتقن بإخلاص. بدأ مشواره عام 1984 بكتاب عن الصورة الشعرية عند الشابي. ومذ ذاك لم يتوقف. أهدى المكتبة العربية نحو ثلاثين كتابًا في أربعة عقود. بين تحقيق المخطوطات وتنظير القضايا، بين الشعر والمسرح والرواية.


وهذه سمة فيه لا يملكها إلا من ولد ناقدًا، إنه متكامل. لا يقبل التخصص الضيق الذي يتحول عند غيره إلى عذر للجهل بما هو خارج دائرة ضيقة رسمها لنفسه. يقرأ في كل شيء، ويكتب في كل شيء، ويتحدث عن كل فن وكأنه من أهله. كأنه يعرف أن الأدب وطن واحد، ومن قسمه فقد ضاع منه.

وأحب أن أقف هنا وقفة من يعرف قيمة ما يقول الدكتور مدحت الجيار -حفظه الله ورده إلينا صحيحًا معافًا- ليس أستاذًا جامعيًا يؤدي واجبًا وينصرف. كلا.. إنه كان وما زال أبًا روحيًا لتلاميذه، ومعلمًا بالمعنى الذي نشتاق إليه في زمن ضاع فيه معنى التعليم. معلمًا كمن يزرع نخلة في الصحراء، يعلم أنها لن تظلله هو، لكنها ستظل من بعده.

وما زلت أذكر أيام أتيليه القاهرة.. كنا ندخل حجرته بأسئلة صغيرة محدودة، ونخرج بأسئلة أكبر وأعمق. كنا ندخل كالأرض العطشى، ونخرج كالسحاب الممتلئ. وهذه -فيما أرى- هي الغاية القصوى من التعليم: أن يخرج الأستاذ من تلميذه إنسانًا يسأل، لا حافظًا يردد. الأول يبقى أثره في العقول، والثاني يموت أثره بانتهاء الامتحان.

ومن عجيب أمر الدكتور مدحت أنه لم يقنع بما تيسر من النصوص. خاض غمار المخطوطات. حقق "ديوان ابن إياس الحنفي" و"أراجيز رفاعة الطهطاوي المجهولة". وهذا عمل من آمن برسالته إيمانًا لا تشوبه شائبة. لا عمل من يبحث عن ترقية أو مجد زائل. عمل من يعرف أن المخطوطات هي جذورنا، ومن قطع جذوره هوى.

ونحن نكتب هذه السطور، يخالجني تفكير في أمر جلل:
نحن في مصر.. وفي سائر البلاد العربية.. نملك ثروة فكرية لا تقدر. لكننا لا نحسن استثمارها. نترك مفكرينا وكبار نقادنا يعانون الأمرين، ثم إذا رحلوا عنا أقمنا المآتم وسمينا الشوارع. كأن التكريم لا يستحق إلا بعد الرحيل! متى نتعلم؟ متى نكرم الأحياء قبل أن يرحلوا؟!

لماذا لا تخصص الحكومات ميزانية لدعم هؤلاء؟ لماذا لا تعيد المؤسسات الثقافية طبع كتبهم في طبعات أنيقة محققة؟ لماذا لا تدرس مناهجهم في الجامعات وهم بيننا، فيسمع الطلاب من أفواه أصحابها؟!

الدكتور مدحت الجيار قدم للمكتبة العربية ما يزيد على سبعة عشر كتابًا في أربعين عامًا. وهذا المنجز، في تقديري، جدير بتقدير لا يكون بالكلمات وحدها، بل بالأفعال أيضًا.

ودعوني أتأمل في أسلوبه قليلًا:


حين تقرأ للدكتور الجيار لا تجده يتعامل مع النص الأدبي كما يتعامل الجراح مع جثة -يقطع ويشرم- بل يتعامل معه ككائن حي. يحترمه. يحاول أن يفهم أسراره. لا يقطع الطريق على تأويل، ولا يصدر أحكامًا مطلقة. كأنه يقول للنص؛ أنت حر، وأنا هنا لأفهم حريتك.

في كتابه "علم النص الأدبي" (2008) يقدم خلاصة تجربته. يعلمك كيف تقرأ، كيف تحلل، كيف تنتقل من الانطباع الأولي إلى المنهج الرصين دون أن تفرط في روح الأدب. وهذا -وأرجو أن يسمعني القارئ- نادر في نقدنا المعاصر. نادر كالمطر في الصيف، كالظل في منتصف النهار.

وكتبه عن جماعة الديوان -المازني وشكري والعقاد- هي توثيق تاريخي دقيق. تعيد بناء لحظة فارقة في مسيرتنا الثقافية الحديثة. لحظة كان فيها النقد أشبه بمعركة، والمعركة أشبه بولادة.

لعل أهم ما يميز الدكتور مدحت الجيار عن غيره من النقاد المعاصرين أنه استطاع أن يؤسس لمنهج نقدي خاص به. منهج يقوم على التوفيق بين الأصالة والمعاصرة، بين الانضباط الأكاديمي والذائقة الأدبية الرفيعة. وهو في هذا يشبه كبار نقاد العربية الأوائل الذين كانوا يجمعون بين الدراية باللغة والدراية بالذوق. 

لا يقرأ النص الأدبي قراءة عمياء، ولا يخضعه لنظرية مسبقة يحاول أن يطبقها تطبيقًا آليًا. إنما ينطلق من النص نفسه. يستمع إليه. يتأمله. ثم يستخرج منه أدوات تحليله. وهذه -في نظري- من أصعب المهارات النقدية وأندرها. لأنها تحتاج إلى شجاعة، وشجاعة الناقد أن يثق بذائقته قبل أن يثق بنظريات غيره.

وإذا تأملنا كتبه عن الشعر المصري الحديث، أو دراساته عن المسرح الشعري، أو تحقيقاته للمخطوطات النادرة، نلحظ أنه يمتلك بصرًا نافذًا في التاريخ الأدبي، وقدرة فائقة على الربط بين الظواهر الأدبية وظروفها التاريخية والاجتماعية. لا يكتب النقد بمعزل عن التاريخ، ولا يكتب التاريخ بمعزل عن النقد. يجمعهما في وحدة عضوية لا تنفصم. كمن يعرف أن الأدب ليس طائرًا يحلق في السماء، بل هو نبت يخرج من الأرض، من ترابها ومن مائها ومن دمها أحيانًا.

وهذا ما يجعل قراءة كتبه متعة فكرية وفنية في آن. متعة كمن يرى البحر أول مرة، وفنية كمن يستمع إلى قصيدة لم تقل بعد.

لا يمكن لأي باحث منصف أن يتحدث عن النقد الأدبي في مصر خلال العقود الأربعة الماضية دون أن يذكر الدكتور مدحت الجيار في مقدمة الصف. ذلك أن منجزه لم يقتصر على الكتب التي ألفها، إنما تعداه إلى الأجيال التي رباها، والمناهج التي أسس لها، والمخطوطات التي أنقذها من النسيان. إن تحقيقاته لـ"ديوان ابن إياس الحنفي" و"أراجيز رفاعة الطهطاوي المجهولة" وحدها كافية لأن تخلد اسمه في تاريخ الثقافة العربية. لأنها أعادت إلى الذاكرة نصوصًا كانت في حكم المفقود، وأتاحت للباحثين فرصة الاطلاع عليها في طبعة علمية محققة. كأنه قال للموت: لا، لن تأخذ هذا كله.

أضف إلى ذلك أن مدحت الجيار استطاع أن يمد جسرًا بين النقد العربي القديم والنقد الغربي الحديث. لا من خلال الاستيراد الأعمى للنظريات، لكن من خلال الوعي الناقد الذي يختار ما يناسب تراثنا ويطرح ما لا يناسبه. وهو بهذا يقدم نموذجًا يحتذى به للأجيال القادمة من الباحثين. نموذجًا للاجتهاد العلمي الجاد، والتواضع الجم، والإخلاص للرسالة قبل أي اعتبار آخر. نموذجًا يذكرنا بأن الناقد الحقيقي هو من يكتب كما يتنفس، لا من يكتب كما يتزلف.

وخير ما أختم به أن أدعو الله -وهو أقرب من حبل الوريد- أن يمن على الدكتور مدحت الجيار بالشفاء العاجل. وأن يعيده إلى محبيه وتلاميذه وقرائه. لأننا ما زلنا نحتاجه. وما زالت المكتبة العربية تنتظر منه المزيد.

وأدعو وزارة الثقافة وجامعة الزقازيق وجميع المؤسسات المعنية.. أدعوها بصوت لا يعلو لكنه لا يخفت، انتبهوا إلى هذا الأستاذ العلامة وإلى أمثاله. فليس في مصر ولا في العالم العربي من هو أغنى من علماء كهذا. ومن لا يعرف كنزه فهو الفقير، لا الكنز.

لقد آن الأوان لنكرم أحياءنا.

آن الأوان لنقول لمن يستحق: شكرًا لك. نحن نرى تعبك. نحن نقدر عطاءك. نحن نعرف أنك من الذين يضيئون الطريق لمن بعدهم، دون أن يطلبوا من المارة أجرًا.

فلتقم أيها الناقد الجليل. فما زلنا نتعلم منك، وما زال في العمر بقية. وما زالت الكلمات تنتظرك، والكتب تشتاق إليك، وتلاميذك يصلون من أجلك.

قم، فالصباح قريب، والشمس لم تغب بعد.

كلمات البحث
اقرأ أيضًا:
الأكثر قراءة