كان الذبيح إسماعيل، عليه السلام، رسولاً نبياً، قدم أعظم المثل في طاعة الله، والامتثال لأوامره، وكذلك الطاعة للأب، لإبراهيم عليه السلام، الذي لم يكن فقط رسولاً نبياً، بل كان أبا الأنبياء والمرسلين.
القصة ذات شئون، وهي كذلك ذات شجون، قصة حدثت على الأرض، وزُلزلت لأجلها السماء.
قال النبي، صلى الله عليه وسلم، أنا ابن الذبيحين..
الذبيح الأول: جده إسماعيل، بن إبراهيم، عليهما السلام.
والذبيح الثاني: والده، عبد الله بن عبدالمطلب، لأن عبدالمطلب كان قد نذر إن رزقه الله عشرة أولاد، أن يذبح أحدهم تقرباً لله، وعندما وقعت القرعة على عبدالله، والد النبي، صلى الله عليه وسلم، تم فداؤه بمائة من الإبل، بدلاً من ذبحه..
يوم التضحية والفداء، وما يعقبه من أيام مباركات، إنما هو فرصة للتدبر، والوقوف عند أصل الحكاية، والمستفاد منها.
أيامٌ سعيدةٌ، وبأيدينا أن نجعلها أكثرَ سعادة، بالطاعة والرحمة، بنُصرة المظلوم، بإغاثة الملهوف، بمساعدة المحتاج، بصلة الأرحام، بالإصلاح بين الناس، بالتواضع ولين الجانب، بالابتسامة وبشاشة الوجه.
أيام سبقها اليوم الأعظم على الإطلاق، يوم عرفة.
جاء عبدالله بن المبارك، إلى سفيان الثوري (رضي اللهُ عنهما) عشية عرفة، وهو جاثٍ على رُكبتيه، وعيناه تذرفان الدمع، فقال له: من أسوأُ هذا الجمعِ حالاً؟
فقال: الذي يظنُ أن اللهَ لا يغفرُ له.
يومٌ مهيبٌ، الدعاء فيه مقبول، فخيرُ الدُّعاءِ، دعاءُ يومِ عرفةَ، والمحرومُ مَنْ حُرمَ فضل هذا اليوم.
ثم يأتي يومُ الفداءِ، يومَ قال الابن الصالح لأبيه: يَٰٓأَبَتِ ٱفْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِىٓ إِن شَآءَ ٱللَّهُ مِنَ ٱلصَّٰبِرِينَ.
امتثل أبو الأنبياء إبراهيم، عليه السلام، لأمر ربه، ولم يقل: أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ، هذا الذي بلغ من العمرِ ستةً وثمانينَ عاماً، عندما بُشرَ بمولد إسماعيل، نجدُه اليوم، يُقْدِمُ بلا تردد، على ذبح ولده، الذي بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ، وأصبح صبياً جميلاً مُطيعاً، سنداً ومُعيناً، وقرةَ عينٍ لأبيه.
يستشير إبراهيم ابنَه في الأمر، حتى يَعُم الثواب، وتنتفي الخديعة، وهذا مُحالٌ على الأنبياءِ. ما أعظم الوالد! وما أبر الولد! هي حقاً: ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِن بَعْضٍ..
السماء تنتفض، والملائكة ترتجف، من هول المشهد المهيب، والله يعلم، وهم لا يعلمون.
تُحَدُ السكينُ، ويستلقي الذبيح على الأرض، في غير نظر لأبيه، كي لا تأخذه الشفقة، فيتردد في تنفيذ أمر الله. الشيطان يصول ويجول، مرةً على الأب، وثانيةً على الأم، وثالثةً على الابن، لكنهم جميعاً، ثابتون مؤمنون صادقون صابرون.
السكين المسنون، تتحرك على رقبة الصبي الخاشع، يميناً ويساراً، لكنها تفتقد جميع خواصها، الثابتة والراسخة، تماماً كما فقدت مِن قَبلُ، النارُ المُحرقةُ، التي أُلقيَ فيها إبراهيمُ، خواصَها أيضاً، بل وأصبحت برداً وسلاماً، فكانتْ أيامُ النارِ، أجملَ أيامِ عُمره! مَنْ الذي بدلَ القوانين؟ مَنْ الذي غيرَ القواعد؟ هو الله، الذي أمرُه بينَ الكافِ والنون، وإذا قضى أمراً، فإنما يقولُ له كنْ فيكون.
ثم تأتي الفرحة، في ثياب الرحمة، ويكون الفِداء الكبير: وَفَدَيْنَٰهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍۢ.
طاعةُ اللهِ واجبةٌ، قبلَ كلِ شيء، فرضا الناسِ، غايةٌ لا تُدركُ، ورضا اللهِ، غايةٌ لا تُتركُ، فاتركْ ما لا يُدركُ، وادركْ ما لا يُتركُ..