العالم في الانتظار!!

27-5-2026 | 11:45

يترقب العالم، وخاصة في الدول العربية نهاية حرب الخليج الرابعة، بالنظر إلى أن الأطراف الثلاثة، الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران، تتأرجح ما بين الوساطة وشبح الحرب بين لحظة وأخرى. وتبدو الأطراف منهكة، ولكن بقية دول المنطقة والعالم تدفع ثمن حرب لم تخترها، وثمن انتظار "الحل المؤقت أو الدائم"، ولكن تعقيدات الأزمة تراوغ الوسطاء والضحايا على حد سواء.

ومما يعقد المشهد أن الولايات المتحدة وإيران تحاولان الجمع بين أهداف متناقضة إلى حد كبير، وذلك خلال التفاوض بشأن الإطار العام لاتفاق وقف إطلاق النار برعاية باكستان، ودعم الدول الإقليمية.

فبينما تريد إيران رفع العقوبات، واستعادة أموالها المجمدة، وإنهاء الحرب الإسرائيلية الأمريكية بشكل دائم، فنحن نرى في المقابل أن الولايات المتحدة تريد إعادة فتح مضيق هرمز، ووضع الملف النووي الإيراني على الطاولة، وتحقيق حد أدنى من خفض التصعيد الإقليمي.

وفي الوقت نفسه تريد إسرائيل نزع سلاح حزب الله وتثبيت موقعها الإقليمي، لكنها ليست جزءاً مباشراً من المفاوضات الأساسية. أما لبنان، فيريد انسحاباً إسرائيلياً، وأن يُبحث مستقبل حزب الله داخلياً لا ضمن صفقات إقليمية.


ويبدو الآن واضحاً أن هذه الأهداف لا تنسجم بالكامل مع بعضها البعض، ولذلك تبدو الملحقات التفاوضية الحالية محاولة لتأجيل التناقضات الكبرى، بما يكفي لكي يتمكن كل طرف من إعلان انتصار ما.


لكن ما إذا كانت مهلة الثلاثين يوماً المقترحة ستقود فعلاً إلى اختراق حقيقي في الملف النووي المستمر منذ عقدين، أم أنها ستتحول إلى مجرد هدنة جديدة “بصورة أفضل”، فهذا سؤال لا تملك المسودة الحالية جواباً عنه.

وأكدت مصادر متعددة مطلعة في المنطقة أن المفاوضات لا تزال مستمرة، والتفاصيل لم تُكتب بعد. ولعل الشيطان الذي يكمن في التفاصيل لا يهدد أطراف الأزمة فقط، بل العديد من الأطراف لعل أبرزهم الوسطاء الظاهرين للعيان، والمساندين للحل التفاوضي من وراء الستار.

ويرى بعض الخبراء أن الزيارات المتتالية لوزير الداخلية الباكستاني محسن نقوي، وقائد الجيش الباكستاني الجنرال عاصم منير إلى طهران تأتي في سياق “دبلوماسية منع الانفجار غير القابل للسيطرة”، حيث تسعى إسلام آباد لإدارة أزمة استباقية لحماية أمنها القومي من تداعيات أي مواجهة محتملة بين إيران من جهة، والولايات المتحدة أو إسرائيل من جهة أخرى.

وتنظر باكستان إلى أي حرب شاملة غرب إيران باعتبارها “نقطة انكسار” قد تزعزع استقرارها على ثلاث جبهات حيوية (بلوشستان، الهند وأفغانستان)، حيث تدرك أنّ امتلاكها لقدرة ردع على ثلاث جبهات يتجاوز قدراتها اللوجستية، مما يجعل الحفاظ على هدوء الحدود مع إيران ضرورة وجودية لاستقرار إقليم بلوشستان، وحماية مشروع الممر الاقتصادي الصيني – الباكستاني.

وأشارت مصادر عربية مطلعة إلى أنّ دور باكستان كوسيط يكتسب أهمية خاصة لامتلاكها قنوات تواصل “عسكري – أمني” فريدة، حيث يتمتّع الجنرال منير بشبكة علاقات ممتازة مع البنتاجون تعود لخبرته في الحرب الأفغانية، مما يؤهّله لنقل رسائل مباشرة من عسكريين إلى عسكريين، في ظل انسداد قنوات الدبلوماسية التقليدية، مع الحفاظ في الوقت ذاته على رصيد من المصداقية لدى الجانب الإيراني.

ولاحظت المصادر أنّ باكستان تتبع إستراتيجية “إدارة الأزمة بأقل التكاليف” في ظل تقاطع ضغوط دولية وإقليمية متناقضة، حيث تحاول الموازنة بين الحفاظ على شراكتها الإستراتيجية مع الصين، والتعامل مع المخاوف السعودية من توسّع رقعة الصراع، من دون أن تتحوّل إلى طرف  في الحرب أو تلتزم بـ”حياد سلبي” قد يضرّ بمصالحها الحيوية في حال خرجت الأمور عن السيطرة.

وفي الوقت نفسه ترى الكاتبة الإيرانية سمية مروتي أنّ دافع إسلام آباد لا يقتصر على حسن الجوار، بل يمتدّ لاستغلال هذه “اللحظة الجيوسياسية” لانتزاع امتيازات إستراتيجية من واشنطن، وخلق نوع من “الديون الإستراتيجية” التي تحمي مصالحها الاقتصادية، مشدّدةً على أنّ باكستان تبرز في هذا المشهد كـ”جار قلق وذكي”، يدرك أنّ أمنه الوطني مرتبط بضبط إيقاع الحرب في الجوار قبل أن تمتدّ نيرانها إلى عمق أراضيها.

ومن ناحية أخرى تصر إسلام آباد على أن تؤدي بكين دور الضامن في أي اتفاق بين أمريكا وإيران، فيما لا ترغب بكين في التورط المباشر في الأزمة أو في الوساطة.

ولعل السبب أن السياسة الخارجية الصينية، توازن بين عدة أمور في مقدمتها تمسك بكين بأولوية الحلول السياسية، وهو توجه يتجاوز كونه خطاباً دبلوماسياً ليصبح قاعدة عمل ثابتة، خاصة في الأزمات البعيدة عن المجال الحيوي الصيني، حيث ركزت التحذيرات الصينية على كلفة الحرب، مع الإشارة إلى سيناريو إغلاق مضيق هرمز وما قد يترتب عليه من اضطراب واسع في أسواق الطاقة.

في الوقت ذاته، تفرض العلاقات الاقتصادية مع دول الخليج معادلة معقدة، إذ بلغ حجم التبادل التجاري بين الصين ودول مجلس التعاون نحو 300 مليار دولار في 2024، ما يجعل هذه الدول شريكاً أساسياً في الحسابات الصينية، وقد حملت إدانة بكين للهجمات التي طالت دولاً في المنطقة رسالة واضحة تتعلق بضرورة مراعاة أمن الشركاء الإقليميين، مع الحفاظ في الوقت نفسه على قنوات التعاون مع طهران.

ويبقى أن الجميع ينتظر حل الأزمة سلمياً، ولكل حساباته الدقيقة. 

ومن هنا تبدو عملية التوصل لإطار عمل، وهدنة مستقرة، ثم مفاوضات القضايا المعقدة الخاصة بالملف النووي.. مسألة طويلة ومعقدة، ولن يجدي الانتظار، بل لابد من المشاركة بقوة في الوصول للتفاصيل الدقيقة لإنهاء هذا الصراع، ومنع تفجيره.

كلمات البحث
اقرأ أيضًا: