منهج إصلاحي قويم انتهجته وزارة الأوقاف المصرية، لإصلاح مجتمعنا المصري المعاصر، منهج يمس قضايانا المعيشة التي تحتاج تضافر كل جهود المخلصين لهذا البلد الذين يريدون له الخير بغية المواكبة والمسايرة، بغية إصلاح ذات البين بين أفراد المجتمع من أجل وحدته وتماسكه، وهذا هو المبتغى من خطب الجمعة المنبرية، فالدين ليس صومًا وصلاة وزكاة وحج البيت فقط، وإنما الدين تصديق بالجنان وعمل بالأركان، وهذا شرط رئيس من شروط الإيمان بالله تعالى.
مصداقًا لقوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَٰنُ وُدًّا)
سعدت أيما سعادة بخطبة الجمعة اليوم، حيث جاء عنوانها عن الرحمة.
نعم نحن في حاجة إلى التواد والتراحم والتحاب في الله، فكما قال الله تعالى مخاطبًا رسوله الكريم، وإذا كان الخطاب موجهًا إلى حضرة النبي إلا أن فيه تشريعًا للأمة جمعاء (فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ ۖ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ).
نعم فماذا فعلت رحمة النبي التي منحها الله له، حولت صناديد الكفر إلى أولياء لله جاهدوا في الله حق الجهاد، بل وأدخلت القوم في الإسلام طواعية، انظروا بعين الاعتبار إلى مشهد فتح مكة، ما تظنون أني فاعل بكم، قالوا أخ كريم ابن أخ كريم، قال اذهبوا فأنتم الطلقاء.
ماذا قال الصحابة عن هذا اليوم، قالوا اليوم يوم الملحمة، ماذا قال طبيب الأمة، قال، اليوم يوم المرحمة.
ثم ألم يقل الله تعالى عن رحمته صلى الله عليه وسلم (بالمؤمنين رءوف رحيم)، رأفة تتبعها رحمة، تلازمية العلاقة بينهما، فبالرأفة والرحمة ينصلح حال المجتمع ويسود الود والتعاون بين أفراده وتتحقق المحبة.
ألم يقل الله تعالى عن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم (رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ)
ألم يقل النبي صلى الله عليه وسلم، (الراحمون يرحمهم الله)، نعم فإنه من لا يَرحم لا يُرحم، ثم ألم يقل النبي صلى الله عليه وسلم (مَثَلُ المُؤْمِنِينَ فِي تَوَادِّهِمْ، وَتَرَاحُمِهِمْ، وَتَعَاطُفِهِمْ مَثَلُ الجَسَدِ؛ إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الجَسَدِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى).
هذا ما قاله النبي "صلى الله عليه وسلم" عن الرحمة والراحمين، فهيا نتراحم فيما بيننا، وليرحم بعضنا بعضًا حتى يرحمنا من في السماء.
ولنا المثل والقدوة في المعصوم "صلى الله عليه وسلم"، الذي كان يرحم الشيخ الكبير ويعطف على الطفل الصغير، بل كان يقصر في الصلاة عندما يسمع صراخ رضيع، ولِمَ لا وهو الذي قال عن نفسه أنا الرحمة المهداة والنعمة المسداة والسراج المنير.
وهل بعد ما قاله الله تعالى كلام يقال في الرحمة، ألم يقل جل وعلا، لو خلقتموهم لرحمتموهم.
إننا نعيش تحت سماء واحدة، نفترش أرضًا واحدة، نأكل طعامًا واحدًا مع اختلافات فيما بيننا، لكن في الأصل، كلكم لآدم وآدم من تراب، فلماذا لا نتراحم فيما بيننا، ولماذا لا يعطف بعضنا على بعض، أليست مثل هذه الأمور تُحدث تكافلاً اجتماعيًا وتزول معها الطبقية البغيضة.
فالإنسان ليس كما قال الفيلسوف الإنجليزي توماس هوبز، ذئب لأخيه الإنسان يتحين عليه الفرص لينقض عليه، لا بل العكس هو الصحيح، فالإنسان أخ لأخيه الإنسان لا يظلمه، ولا يمد يده ليقتله أو ليعتدي على حقوقه (وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ ).
ومن ثم ينبغي أن تسود الرحمة فيما بيننا، نتراحم فيما بيننا، نتزاور، غنينا يرحم فقيرنا ويعطيه ولا يمنعه، قوينا يرحم ضعيفنا، لا يتجبر عليه، صاحب العلم يرحم طلابه ولا يتكبر عليهم بعلمه.
ومن مظاهر الرحمة، الرفق بالحيوان، هل علمتم أن امرأة دخلت النار في هرة، حبستها ولم تطعمها، ولم تتركها تأكل من خشاش الأرض فماتت، ورجل دخل الجنة في كلب وجده يلهث، فنزل بئرًا وأحضر له ماءً في خفه وسقاه.
كذلك الرحمة بأنفسنا، مصداقًا لقوله تعالى: (وَلَا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا)، فإذا ما ضاقت علينا الأرض بما رحبت وضاقت صدورنا، فليس ثم مبررٌ لقتل أنفسنا أو قتل أولادنا، وإنما هناك إله خالق لنا، وبابه مفتوح لنا على الدوام ورزقه ما له من نفاد.
مصداقًا لقوله تعالى: (إِنَّ هَٰذَا لَرِزْقُنَا مَا لَهُ مِن نَّفَادٍ)
ومن مظاهر الرحمة، الرحمة بالمرضى والإشفاق على اليتامى، ومن مظاهرها أيضًا، الرحمة في بيوتنا مع أزواجنا، مع أولادنا وبناتنا عن طريق التقويم والمنهج الإرشادي القويم.
ومن مظاهرها أيضًا الرحمة بأبنائنا الطلاب في مدارسنا، وفي جامعاتنا، عن طريق المعاملة بالرفق واللين، فما دخل الرفق في شيء إلا زانه، وما خرج من شيء إلا شانه.
ومن مظاهر الرحمة، الرحمة بأوطاننا، فكما نطالب بحقوقنا، علينا أن نؤدي ما علينا من واجبات تجاه الأوطان.
إن منهجية فهم مدلولات الرحمة وآليات تحققها في المجتمع تسمو بهذا المجتمع، ويسود ما نحلم به من إخاء، ومودة وتواد وتعاطف.
أستاذ الفلسفة الإسلامية بآداب العاصمة ورئيس القسم الساب