في 23 مايو الجاري، شارك الرئيس عبدالفتاح السيسي في اتصال هاتفي مشترك ضم الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وعددًا من القادة العرب والإقليميين، من بينهم العاهل الأردني عبد الله الثاني، والرئيس التركي رجب طيب أردوجان، وولي العهد السعودي محمد بن سلمان، وأمير دولة قطر تميم بن حمد، في إطار تحرك دبلوماسي واسع يستهدف احتواء التصعيد المتسارع بين الولايات المتحدة وإيران.
وقد عكس هذا الاتصال إدراكاً إقليمياً متزايداً بأن المنطقة تقف على حافة مواجهة مفتوحة قد تمتد آثارها إلى أمن الطاقة العالمي وخطوط الملاحة الدولية واستقرار الشرق الأوسط بأكمله.
وفي هذا السياق، شددت القاهرة على أهمية استثمار "النافذة الدبلوماسية" الحالية للوصول إلى تسوية سياسية شاملة تحول دون انزلاق المنطقة إلى حرب واسعة، مؤكدة استمرار الدور المصري في دعم جهود التهدئة والتفاوض.
غير أن القراءة الواقعية للمشهد في كواليس المفاوضات بين واشنطن وطهران تكشف أن ما يجري لا يمثل بداية سلام دائم، بقدر ما يعبر عن محاولة مؤقتة لإدارة صراع مفتوح تتداخل فيه اعتبارات الردع بالقوة مع حسابات التفاوض السياسي.
فالمشهد الراهن لا يوحي بأن الأطراف وصلت إلى مرحلة "الإنهاك المتبادل" التي تدفع عادة نحو التسويات التاريخية. بل على العكس، لا تزال كل قوة تعتقد أنها قادرة على تحسين شروطها الإستراتيجية عبر مزيج من الضغط العسكري والاقتصادي والدبلوماسي.
ومن ثم، فإن الحديث عن "اتفاق سلام شامل" يبدو سابقاً لأوانه، بينما الأقرب إلى الواقع هو توصيف الوضع باعتباره "هدنة تكتيكية" تهدف إلى إعادة ترتيب الأوراق والتقاط الأنفاس قبل جولات جديدة من الصراع.
بالنسبة لإيران، ما زال الحفاظ على نفوذها الإقليمي جزءاً لا يتجزأ من مفهوم الأمن القومي للنظام. فشبكات الحلفاء والقوى المرتبطة بطهران في العراق ولبنان واليمن وفلسطين المحتلة ليست مجرد أدوات ضغط مؤقتة، وإنما تشكل منظومة ردع متقدمة تمنح إيران القدرة على مواجهة خصومها خارج حدودها المباشرة. لذلك، فإن أي تنازل جذري عن هذه الأوراق تحت ضغط العقوبات أو العمليات العسكرية سيُنظر إليه داخل بنية النظام باعتباره تهديداً وجودياً، وانتحاراً سياسياً، لا مجرد تراجع سياسي.
أما الولايات المتحدة، وخاصة في ظل إدارة ترامب، فتنظر إلى التطورات الحالية من منظور مختلف تماماً. فالإدارة الأمريكية لا تتعامل مع التهدئة باعتبارها مدخلاً لتسوية متوازنة بين طرفين، بل باعتبارها نتيجة مباشرة لسياسة "الضغط الأقصى" التي أعادت واشنطن تفعيلها بصورة أكثر حدة منذ عودة ترامب إلى البيت الأبيض.
ومن منظور "السلام من خلال القوة"، ترى الإدارة الأمريكية أن إيران وصلت إلى لحظة اضطرار إستراتيجي تجعلها أكثر استعداداً لتقديم تنازلات غير مسبوقة.
ومن هنا، تبدو التهدئة الحالية أقرب إلى "إدارة للصراع" منها إلى "حل للصراع". فالتحركات الجارية على الأرض تشير إلى عمليات إعادة تموضع عسكري ولوجستي، وإعادة تقييم للقدرات الدفاعية والهجومية، واختبار متبادل لحدود القوة والإرادة السياسية. وبعبارة أخرى، فإن الأطراف تستخدم الدبلوماسية كجزء من الصراع نفسه، لا كبديل نهائي عنه.
ويزداد المشهد تعقيداً مع الانقسام الواضح داخل دوائر صنع القرار الأمريكي. فبينما يطرح ترامب فكرة "التفاهم الإطاري" باعتبارها إنجازاً سياسياً يمكن البناء عليه، ترى قطاعات واسعة من المؤسسة الأمنية والعسكرية الأمريكية أن أي اتفاق لا يؤدي إلى تفكيك كامل للقدرات الإيرانية سيظل اتفاقاً هشاً وقابلاً للانهيار. ويخشى هؤلاء من أن تمنح التهدئة طهران فرصة لإعادة بناء قدراتها الاقتصادية والعسكرية، على غرار "نموذج كوريا الشمالية"، بما يعيد إنتاج الأزمة بصورة أكثر خطورة مستقبلاً.
وفي المقابل، يتحرك ترامب وفق منطق مختلف. فهو لا يريد الانخراط في حرب طويلة تستنزف الاقتصاد الأمريكي أو تؤثر على فرصه السياسية الداخلية، لكنه يريد أيضاً اتفاقاً يمكن تقديمه باعتباره "انتصاراً أمريكياً" تحقق بالقوة والضغط. ولذلك، فإن إستراتيجيته تقوم على استخدام التصعيد العسكري والاقتصادي كأداة تفاوضية لإجبار الخصم على القبول بشروط واشنطن، دون التورط في احتلال مباشر أو حرب استنزاف مفتوحة.
غير أن الأزمة تتجاوز في حقيقتها حدود العلاقة الأمريكية الإيرانية. فالشرق الأوسط يعيش منذ سنوات حالة من غياب الترتيبات الأمنية الإقليمية الجامعة، ما يجعل كل تفاهم جزئي معرضاً للانهيار عند أول تغير في موازين القوى. كما أن تشابك الملفات الإقليمية، من أمن البحر الأحمر إلى استقرار الخليج وساحات المشرق العربي، يجعل أي تصعيد محدود قابلاً للتحول بسرعة إلى أزمة إقليمية شاملة.
لهذا، فإن الهدنة الراهنة، حال التوصل إليها، رغم أهميتها، تبقى اتفاقاً هشاً تحكمه اعتبارات الردع المؤقت أكثر مما تحكمه الثقة السياسية المتبادلة. فالأطراف لا تزال تتعامل مع الصراع باعتباره قابلاً للإدارة وليس للحسم النهائي، بينما تستمر الحسابات الإستراتيجية المتناقضة في تغذية احتمالات الانفجار.
وفي هذا السياق، تبدو التحركات المصرية، بقيادة الرئيس عبدالفتاح السيسي، والهادفة إلى توسيع هامش الدبلوماسية ومنع الانزلاق نحو المواجهة الشاملة ذات أهمية خاصة، لأنها تسعى إلى الحفاظ على الحد الأدنى من الاستقرار في لحظة إقليمية شديدة السيولة. لكن الحقيقة الجوهرية تبقى أن المنطقة لا تعيش بداية سلام دائم، بل مجرد استراحة مؤقتة في صراع طويل لم تُحسم قواعده النهائية بعد.
رئيس وحدة العلاقات الدولية وبرنامج دراسات الطاقة في مركز الأهرام للدراسات السياسية والإستراتيجية
وزميل كلية الدفاع الوطني في الأكاديمية العسكرية للدراسات العليا والإستراتيجية