مع اقتراب موسم الأضاحي، تتجدد أجواء البهجة والتكافل، وتعود إلى الأذهان قصة الفداء والطاعة التي خلدها القرآن الكريم في قوله تعالى: "فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ"، وقوله سبحانه: "لَن يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِن يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنكُمْ".
كما كان النبي ﷺ يضحي بالكبشين الأملحين، ويحث على إطعام الفقراء وصلة الأرحام في أيام العيد.
ومع هذا الموسم المبارك، يحتار كثير من الناس بين لحم الضأن والماعز والبقر والإبل: أيّها ألذ؟ وأيها أكثر فائدة للصحة؟
ورغم أن العادات والتقاليد تلعب دورًا كبيرًا في الاختيار، فإن الدراسات العلمية الحديثة تكشف معلومات قد تغيّر نظرتنا إلى اللحوم الحمراء. فليست كل اللحوم متشابهة في محتواها من الدهون أو البروتين أو المعادن، بل تختلف تأثيراتها على القلب والوزن ومستويات الكوليسترول. لذلك، فإن معرفة القيمة الغذائية لكل نوع تساعد على الاستمتاع بالأضحية دون الإضرار بالصحة.
تشير الأبحاث الغذائية إلى أن لحوم الماعز تُعد من أفضل الخيارات الصحية بين اللحوم الحمراء، إذ تحتوى على نسبة دهون مشبعة أقل مقارنة بلحوم الضأن والبقر، كما أنها غنية بالبروتين عالي الجودة والحديد وفيتامين بي 12، مع سعرات حرارية أقل نسبيا. وقد أوضحت دراسات غذائية أن تناول لحم الماعز باعتدال قد يساعد في الحفاظ على صحة القلب وتقليل خطر السمنة وارتفاع الكوليسترول.
أما لحم الضأن، فهو الأكثر شيوعًا في الأضاحي، ويتميز بطعمه الغني واحتوائه على عناصر مهمة مثل الزنك والحديد والبروتين. وقد ارتبط هذا اللحم في الثقافة الإسلامية بسنّة النبي ﷺ الذي ضحى بالكباش، إلا أن الدراسات تشير إلى أن لحم الضأن يحتوي غالبًا على نسب أعلى من الدهون المشبعة، خاصة إذا كان الحيوان كبير السن، أو يحتوي على كميات كبيرة من الشحوم.
ويرتبط الإفراط في تناول الدهون المشبعة بزيادة احتمالية الإصابة بأمراض القلب والشرايين، لذلك ينصح خبراء التغذية باختيار الأجزاء قليلة الدهن والتقليل من الدهون الظاهرة.
ويحتل لحم البقر مكانة متوسطة من الناحية الصحية، فهو مصدر ممتاز للبروتين والحديد والكرياتين الضروري للعضلات، إلا أن قيمته الغذائية تختلف بحسب نوعية تغذية الأبقار وطريقة الطهي. فقد أظهرت بعض الدراسات أن لحوم الأبقار التي تتغذى على الأعشاب تحتوي على نسب أعلى من الدهون النافعة مثل أحماض أوميجا-3 مقارنة بالأبقار التي تعتمد على الأعلاف الصناعية. كما أن الشواء المفرط أو حرق اللحم قد يؤدي إلى تكون مركبات ضارة، لذلك يُفضل الطهي المعتدل.
أما لحم الإبل، فقد لفت اهتمام الباحثين في السنوات الأخيرة بسبب انخفاض محتواه من الدهون والكوليسترول مقارنة ببعض أنواع اللحوم الأخرى. والإبل لها مكانة خاصة في التراث العربي والإسلامي، وقد ورد ذكرها في القرآن الكريم في قوله تعالى: ﴿أَفَلَا يَنظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ﴾.
وتوضح دراسات أجريت في دول عربية وآسيوية أن لحم الإبل يحتوي على نسبة جيدة من البروتين والحديد، مع دهون أقل من الضأن والبقر، ما يجعله خيارًا مناسبًا نسبيًا لمن يعانون من ارتفاع الكوليسترول.
وفي مصر، دعمت دراسات محلية هذه النتائج؛ إذ أجرت جامعة أسيوط أبحاثًا على عينات من لحوم الإبل في محافظتي أسيوط والشرقية، وأظهرت أن لحم الإبل يتميز بانخفاض الدهون وارتفاع قيمته الغذائية.
كما قارنت دراسة من جامعة قناة السويس بين لحوم الضأن والبقر والإبل من حيث القيمة الغذائية والسلامة الصحية، وخلصت إلى أن لحم الإبل يحتوي على دهون أقل مع جودة بروتين مرتفعة. كذلك تناولت أبحاث صادرة عن معهد بحوث الاقتصاد الزراعي ومركز البحوث الزراعية أهمية لحوم الأغنام والماعز كمصدر مهم للبروتين في مصر.
ورغم اختلاف الفوائد الغذائية، يؤكد العلماء أن العامل الأهم ليس نوع اللحم فقط، بل طريقة تناوله. فالاعتدال، وإزالة الدهون الزائدة، واستخدام طرق طهي صحية مثل السلق أو الشواء الخفيف، كلها عوامل تقلل الأضرار الصحية. كما يُنصح بالإكثار من الخضراوات وشرب الماء وتجنب الإفراط في تناول اللحوم خلال أيام العيد.
خلاصة القول، إن لحم الماعز ولحم الإبل أكثر تفوقًا صحيًا من حيث قلة الدهون والكوليسترول، بينما يظل لحم الضأن الأكثر غنى بالطعم والأكثر ارتباطا بعادات الأضاحي. أما لحم البقر فيمثل خيارًا متوازنًا عند اختيار القطع قليلة الدهن.
ويبقى الاعتدال وحسن الاختيار هما الأساس في الحصول على غذاء صحي ومتوازن، تحقيقًا لمعنى الإسلام في التوازن بين متعة الطعام وحفظ صحة الإنسان.
.