كل عام والجميع بخير.. يأتي هذا العيد مختلفًا عند قطاع عريض من الناس، هم جماهير نادي الزمالك العاشقة، التي ما زالت تحتفل بفوز فريق كرة القدم ببطولة الدوري هذا العام، لأسباب عديدة، ليس من بينها قلة عدد بطولات الفريق برغم منافسته الدائمة عليها.
السبب الأول - في رأيي- لتفجر ينابيع الفرحة، هو أن الفريق قد حقق البطولة في العام الذي لم تكن فيه الجماهير تنتظرها أو تحلم بها، فالظروف حالكة، الديون ثقيلة، وقضايا إيقاف قيد اللاعبين كثيرة، نجوم الفريق رحلوا جميعًا، ولا فرصة سانحة لضم نجوم جدد، فكيف تأتي البطولة؟!
يتساءل المنطق، لكن الفريق برغم كل ذلك فعلها، حصل على درع الدوري العام، وكان على بُعد خطوة واحدة من تحقيق البطولة الإفريقية الكونفيدرالية. كيف حدث هذا؟! ولماذا؟! كيف نجح الزمالك في الوقت الذي كان ينبغي فيه أن يسقط؟!
محاولة الإجابة عن السؤال، استدعت سؤالًا آخر، أشمل، يتبادر إلى ذهني أحيانًا، وهو: كرة القدم.. أهي كتابٌ أم رواية؟! حقيقة أم خيال؟! معادلة حسابية أم تجربة إنسانية؟!
في ظل كل المتغيرات الحديثة في الكرة؛ خطط اللعب، صفقات اللاعبين، المال كعنصر حاسم، تبدو الإجابة - للوهلة الأولى- أن الكرة أقرب إلى علم، وحسابات دقيقة يقوم بعضها على بعض.
كرة القدم كتاب، وحساب، وحقيقة. مساحة الخيال فيها، أو الخروج عن النص، بكرة طائشة أو هجمة عنترية تقود إلى الفوز، ما هي إلا هامش بسيط على متن، قد يؤدي إلى اقتناص مباراة أو اثنتين، لكنه لا يقود أبدًا إلى منصات التتويج!
هكذا يقول الواقع والمنطق.. لكن الزمالك غيَّر بنجاحه المعادلة. أسقطها. وأعاد كتابتها من جديد.. كرة القدم رواية، يصحُّ فيها الحلم والخيال، مثلما يصحُّ العلم والحقيقة.
«بضعة رجال طيبون»، اسم فيلم أجنبي قديم، إنتاج عام 1992م، استخدمه يومًا - لا أنسى- الناقد الرياضي الكبير الأستاذ حسن المستكاوي، شفاه الله وعافاه، في وصف أحد الفرق متواضعة المستوى التي واجهت الزمالك في مباراة في التسعينيات.
والآن.. هذا العام.. بدا فريق الزمالك نفسه، وهو يحاول لملمة صفوفه في مسار البطولة، مجرد «بضعة رجال طيبين»، تجمعوا كيفما اتُّفِق من كل حدب وصوب. محترفون أجانب قادمون من فرق غير معروفة، ونجمان أو ثلاثة فحسب من ذوي الخبرة، وقاعدة كبيرة من الناشئين، يقودهم مدرب مصري بدا أنه من خارج المنظومة، بدا بشخصيته كأنه قادمٌ من عالم آخر، يختلف عن عالم الكرة المصرية بأدبياتها المعروفة.
في بداية الموسم، أجمع كل محللي الكرة تقريبًاعلى أنه سيكون موسمًا صفريًّا للزمالك. ولا عجب؛ فأي محب للنادي إن كان قد سُئِل عن توقعاته لفريقه ما أجاب بغير هذا الكلام. ولكن.. شيئًا فشيئًا على مدار العام، مع تحقيق الانتصارات واعتلاء الفريق جدول المسابقة، بدأ يلوح طريق الأحلام.
كيف حدث هذا؟ّ! كيف وقع الاحتمال غير المتوقع؟! الإجابة - في رأيي- لا تخرج عن أمرين، اعتادت الكرة المصرية إهمالهما، هما: الناشئون والمدرب المصري.
جرى العرف في مصر على اعتبار الناشئين كأنهم «شر لا بد منه»، فطالما أن هناك مسابقات للمراحل العمرية المختلفة ينظمها اتحاد الكرة؛ لا بد أن تكون هناك فرق تمثل الأندية فيها، ولكن ماذا عن تصعيد الناشئين إلى الفريق الأول في أي نادٍ؟!
هنا يبدأ التململ.. ويقال: إنهم صغار.. يحتاجون إلى الخبرة.. ينبغي الدفع بهم على مهل.. كي لا يفقدوا الثقة.. أو إعارتهم إلى فرق أصغر مؤقتًا ثم… ثم لا يحدث شيء.. يختفون.. يُخذَلون.. يُكسَرون.. لا يبقى من أحلامهم شيء.. لتتضح حقيقة ما كان يقال.. حقٌّ يراد به باطل! يُراد به شراء لاعبين آخرين. هم بالاسم محترفون. ولا يهم مستواهم. المهم هو الصفقات والوكلاء والعمولات. ولا عزاء للصغار.
يا للسخرية! «صغار الكرة» لدينا في مصر في العشرينيات من العمر، بينما نرى لاعبًا مثل «كيليان امبابي» نجم منتخب فرنسا، يلعب في نهائي كأس العالم 2022م، وهو في الرابعة والعشرين! على مَن تكذبون؟!
والمدربون؛ لا بد للفرق الكبيرة لدينا من خبراء أجانب، يتقاضون أعلى المرتبات، بغض النظر عن المستويات. ويقال: مدارس الكرة العالمية وخططها أصبحت الآن متنوعة، ولا بد للأندية الكبيرة من… كلامٌ في كلام.. حقٌّ آخر يُخفي خلفه كثيرًا من الباطل؛ فالخبراء الحقيقيون لا يمكن لأي نادٍ مصري أن يدفع مستحقاتهم، والحقيقة أن الأندية كلها تخشى إسناد مسئولية تدريب فرقها لأبنائها.. لماذا؟!
كي لا تدير الحدائق الخلفية فيها معارك يشنها زملاء المدرب المصري عليه، بعد أي تعثر أو سقوط، ليس محبة في النادي إنما.. لماذا هو بالتحديد؟! لماذا يحظى بالمال والأضواء ونحن ها هنا قاعدون؟! هكذا في قرار أنفسهم يقولون، ولأجل هذا يحاربون!
في الزمالك هذا العام، سقط كل ذلك. سقط اضطرارًا. والمضطر يركب الصعب. المضطر العاجز عن قيد لاعبين جدد أو دفع مستحقات مدرب أجنبي لا يجد أمامه إلا أبناءه، من الناشئين والمدربين المصريين.
وقد فعلها هؤلاء الصغار.. كتبوا معادلة جديدة ليتها تستمر في الكرة المصرية. فعلوها مع مدربٍ «معتمد» عليهم، فرسموا جميعًا لوحة من «جمال».
لم يتذمر الرجل أو يبرر. لم يشكُ ضعف الإمكانات. لم يهاجم التحكيم أو المنافسين. إنما قرر أن يعمل. عمل في صمت. وبعد إحراز البطولة خرج ليقول ما لم يكن ممكنًا في السابق أن يقال.
قال معتمد جمال إن اللاعبين الخمسة عشر الذين خاض بهم المباريات أغلبهم مصاب. وأوضح أكثر: «ليسوا مرهقين بفعل كثرة المواجهات إنما هم مصابون بالفعل».
ذكَّرتني كلماته بترنيمة قرصان مسلسل «جزيرة الكنز»: «خمسة عشر رجلًا ماتوا من أجل صندوق». هكذا كان يقول. وها هم خمسة عشر رجلًا من أبناء نادي الزمالك كادوا في الملعب يموتون. انتصروا وهم مصابون، من أجل بطولة، أسعدوا بها الناس؛ الجماهير العاشقة.
والمفارقة، أن مؤلف رواية «جزيرة الكنز» الكاتب الأسكتلندي «روبرت لويس ستيفنسن»، هو نفسه صاحب رواية «دكتور جيكل ومستر هايد».. فليتنا جميعًا في الكرة المصرية نعي الدرس بحكمة وتعقل، ونغلِّب مسار «دكتور جيكل»، كي لا نصل إلى مصير الجنون على يد «مستر هايد»! وكل عام وأنتم طيبون.