في أحدث استطلاع للرأي أجرته هيئة الإذاعة والتلفزيون اليابانية NHK، حظيت حكومة رئيسة مجلس وزراء اليابان، تاكيوتشي ساناي، بنسبة تأييد معتبرة 61%، وذلك، للثقة النسبية في تمكنها من الإنجاز. فيما بلغت نسبة عدم التأييد 23%، نتيجة لعدة أسباب من بينها، تعديل المبادئ التوجيهية لتصدير المعدات الدفاعية.
كلمة سما sama باليابانية تعني أسمى درجات التبجيل، لذوي المكانة الرفيعة في المخاطبة؛ ولأنها أول امرأة يابانية تتولى أعلى سلطة تنفيذية في بلادها، تخضع تاكايتشي "سما" لأقصى درجات الاختبار، ولعل نجاحها في المهمة، يصبح فاتحة خير لكي تتبوأ الأنثى منصب الإمبراطور-بعد عمر طويل-في بلاد الشمس المشرقة.
عقب أول لقاء فيما بينهما خلال قمة مجموعة العشرين G 20 في جنوب أفريقيا (نوفمبر 2025)، نشرت تاكايتشي سما (65 سنة) صورة على منصة إكس X، تظهرها وهي تعانق رئيسة مجلس الوزراء الإيطالية، جورجيا ميلوني (48 سنة)، وأظهرت الصورة أن الانسجام بين الزعيمتين في أعلى درجاته منذ اللحظة الأولى.
بعد مرور وقت قصير من قمة جوهانسبرج واحتفالا بمرور 160 عامًا على العلاقات بين طوكيو وروما، أجرت ميلوني زيارة لليابان في منتصف يناير 2026، وأسفرت قمة عقدتها مع تاكايتشي عن تعريف العلاقات بين العاصمتين، لتصبح شراكة إستراتيجية خاصة، Special Strategic Partnership، وذلك في لفتة جمعت-لأول مرة-بين امرأتين من خلفية محافظة وقومية، تحكمان اليابان وإيطاليا.
نقاط التشابه بين تاكايتشي سما والسيدة ميلوني لخصها الصحفي الياباني، إيتو يوشيأكي، الذي عمل مراسلا دوليا لصحيفة ماينيتشي في كل من: القاهرة وجنيف وواشنطن، وترأس نادي الصحافة الوطني الياباني. والتشابه في رأيه كالتالي:
1- ترسيخ صورة المرأة المحافظة في عالم سياسي يهيمن عليه الرجال.
2- كونهما سياسيتين عصاميتين غير منتميتين إلى عائلات سياسية متوارثة.
3- تبنيهما قيمًا تقليدية تولي أهمية كبرى للأسرة.
4- كما أن الأسلوب الذي (كانت ولا تزال) تتبعه ميلوني في استثمار علاقتها الجيدة مع ترامب توظيفا كاملا -بوصفها أصلاً دبلوماسيا- يحمل دلالات ثرية، ويقدم دروسًا مهمة لرئيسة مجلس الوزراء اليابانية، لتعزيز حضورها بين الدول الآسيوية (تايلاند والفلبين وإندونيسيا)، ثم تحول هذا الحضور لتقوية قاعدتها السياسية داخليًا، بالضبط كما فعلت رئيسة الحكومة الإيطالية.
من باب العلم، تشير السيرة الذاتية للسيدة تاكايتشي إلى أنها تنتمي لعائلة من الموظفين بخلفيات اجتماعية واقتصادية متواضعة، وتخرجت من معهد ماتسوشيتا للحكم والإدارة، ودخلت السياسة، بدءا من انتخابها 10 مرات نائبة في البرلمان، ومرورا بشغل مناصب وزارية: للشئون الداخلية والاتصالات والضمان الاجتماعي ونظام الرقم الضريبي والأمن الاقتصادي، ورئاسة مجلس أبحاث السياسات، ولجنة أبحاث السلامة العامة ومكافحة الإرهاب التابعة للحزب الليبرالي الديمقراطي.
قبل أن تنتخب رئيسة للحكومة في أكتوبر الماضي، كانت تاكاشي تحظى بدعم من رئيس الحكومة الراحل آبي شينزو، وجاءت ثالثة في الجولة الأولى من انتخابات رئاسة الحزب الحاكم في 2021، التي فاز بها كيشيدا فوميو، وفي انتخابات الرئاسة التالية للحزب عام 2024، خسرت أمام إيشيبا شجيرو في جولة الإعادة.
أما السيرة الذاتية لرئيسة الحكومة الإيطالية، فتشير إلى أن والدتها قامت بتربيتها في طفولتها بعد أن ترك والدها المنزل. وتخرجت ميلوني من مدرسة مهنية ثانوية، وانضمت -وهي في سن الخامسة عشرة- إلى التنظيم الشبابي للحزب "النيوفاشي"، الذي ورث فكر موسيليني المتطرف، وعملت في وظائف متعددة، كنادلة، قبل أن تنتخب عضوا في مجلس النواب وهي في سن التاسعة والعشرين عام 2006. وبعد مرور سنتين، أي في عام 2008، جرى تعيينها، وهي في سن الحادية والثلاثين، كأصغر وزيرة-في تاريخ إيطاليا-لشئون الشباب، ثم أسست حزب "إخوة إيطاليا" في عام 2012، ورفعت شعار "إيطاليا أولا". وقبل أن تفوز في الانتخابات العامة، أعلنت-بنفسها-القطيعة مع الفاشية، وخففت من الطابع اليميني المتطرف لسيرتها.
الزعيمة الثانية التي يجري-كثيرا-مقارنة تاكايتشي بها، باعتبارها معجبة بها، وتسير على خطاها، هي مارجريت تاتشر، رئيسة حكومة بريطانيا (1979-1990).
تشير السيرة الذاتية للسيدة تاتشر (1925-2013)، إلى أنها ابنة بقال، وأصبحت عضوة في البرلمان عام 1959، واختيرت لقيادة حزب المحافظين عام 1975، وقد ساهم فوز الحزب في الانتخابات التشريعية عام 1979 في وصولها إلى رئاسة حكومة بريطانيا، وبقيت في سدة الحكم لأكثر من 11 عاما، وهو رقم قياسي لزعيم بريطاني، ووصفت بالمرأة الحديدية، ودفعت بسياسات تحررية،وبموقف حازم مناهض للاتحاد السوفيتي السابق، وقادت بريطانيا خلال نهاية الحرب الباردة.
المقارنة بين تاكايتشي وتاتشر لخصها أستاذ العلوم السياسية بجامعة ميجي جاكوين، إيكيموتو دايسكي، في حوار أجراه معه الموقع الإخباري نيبون دوت كوم.
بالمصادفة وبالتزامن مع تنصيب تاكايتشي رئيسة للحكومة، أصدر البروفيسور إيكيموتو كتابا في شهر أكتوبر 2025 بعنوان "تاتشر: صورة المرأة الحديدية".
يرى البروفيسور أن العالم الذي ساهمت تاتشر في بنائه ينهار، والقاسم المشترك الأبرز بين تاكايتشي سما والزعيمة تاتشر أنهما أصبحتا أول رئيستين لمجلس الوزراء في بلديهما (اليابان وبريطانيا) عبر مسار سياسي محافظ أظهر صلابتهما.
يضيف البروفيسور إيكيموتو، لم تلتزم تاتشر-بعد توليها السلطة-بموقف متشدد تجاه خصومها الذين وصفوها بالمرأة الحديدية، ووجدت أرضية مشتركة مع الزعيم السوفيتي الراحل ميخائيل جورباتشوف، مما ساهم في إنهاء الحرب الباردة.
بالمثل، اتخذ رئيس الحكومة الراحل آبي شينزو، الذي يحظى باحترام تاكايتشي، إجراءات لم تكن تحظى بشعبية لدى قاعدته الانتخابية، مثل التوصل لاتفاق مع كوريا بشأن "نساء المتعة"، وإطلاق سياسات استباقية لاستقبال العمال الأجانب.
كانت تاتشر بارعة للغاية في الترويج لنفسها، وتدربت على الفوز في المناظرات البرلمانية وتحسين حضورها التلفزيوني، وفعلت تاكايتشي أشياء مشابهة لا تبدو مصادفة، مثل ترديد: العمل، العمل، العمل، وارتداء الكثير من الملابس الزرقاء!!
قاسم مشترك آخر بين تاكايتشي وتاتشر يتمثل في أن كليهما كان ينظر إليهما على أنهما مناهضتان للنسوية. وفيما ركزت تاتشر على الإصلاح الجذري في الاقتصاد، سوف تنصب سياسات حكومة تاكايتشي على تهيئة المناخ لتعديل الدستور الياباني، وإعطاء أولوية للأمن، وزيادة الإنفاق الدفاعي، وتخفيف قيود تصدير الأسلحة.
[email protected]