الحضارة والبربرية.. كيف يبرر نتنياهو حربًا بلا نهاية

23-5-2026 | 17:07

تابعت باهتمام حوار نتنياهو الأخير مع البرنامج الأمريكي الشهير 60 دقيقة. وقد أدار المحاور اللقاء باحترافية واضحة، وطرح سؤالاً بدا بسيطًا لكنه ربما كان الأهم في الحوار كله: هل انتهت الحرب؟ ومن يملك قرار إنهائها؟

تجاهل نتنياهو الجزء الثاني من السؤال، أما عن الجزء الأول فكانت إجابته مألوفة لمن تابعوا خطاباته طوال حروبه الممتدة: لقد حققنا الكثير، لكن ما زال أمامنا الكثير لتحقيقه. ثم بدأ في تعداد الأهداف: إنهاء التخصيب، تفكيك البنية النووية، الوصول إلى اليورانيوم المخصب، وكبح البرنامج الصاروخي الإيراني.

سأله المحاور باستغراب واضح:
وهل يجب تحقيق كل ذلك حتى تنتهي الحرب؟ ومتي يتحقق ذلك؟ 
فجاء الرد كاشفًا:
“لن أضع جدولًا زمنيًا.”
وربما هنا ظهرت أخطر نقطة في الحوار كله. فحين تصبح الأهداف واسعة، معقدة، ومفتوحة زمنيًا، تتحول الحرب إلى مشروع ممتد لا يعرف أحد متى ينتهي.

ثم طرح المحاور سؤالًا شديد الذكاء:
كيف ستحصلون على اليورانيوم المخصب؟
ابتسم نتنياهو مجيبًا بنبرة سخرية:
“نذهب إليهم ونأخذه هكذا.”
لكن المحاور لم يترك الإجابة تمر بتلك السهولة:
كيف تحديدًا؟ بقوات أمريكية أم إسرائيلية؟
فعاد نتنياهو إلى الغموض المقصود:
إذا أمكن الوصول لذلك عبر اتفاق فحسنًا.
أعاد المحاور السؤال:
وإذا لم يمكن؟
فجاء الرد:
“لن أتحدث عن قدراتنا العسكرية.”
ذلك النوع من الإجابات يكشف جانبًا مهمًا من العقيدة السياسية الإسرائيلية: الإبقاء على الغموض باعتباره جزءًا من القوة نفسها.

ثم انتقل الحوار إلى ما نشرته نيويورك تايمز حول زيارة نتنياهو للبيت الأبيض في فبراير الماضي، ومحاولته إقناع الإدارة الأمريكية بأن الوقت مناسب لضرب إيران.

نفى نتنياهو الرواية بصيغتها المباشرة، لكنه قال ما قد يكون أكثر أهمية: اتفقنا إن مخاطر “عدم فعل شيء” أسوأ من مخاطر التدخل. وهنا تظهر الفكرة التي تحكم جزءًا كبيرًا من سياسات المنطقة منذ سنوات: شنّ حرب اليوم خوفًا من تهديد محتمل غدًا.

لكن الجزء الأكثر لفتًا للنظر جاء حين سأله المحاور عن مضيق هرمز، وما إذا كانت إسرائيل قد قللت من احتمالية أن تُقدم إيران على إغلاقه.

أجاب نتنياهو بمراوغة واضحة:
لقد افترضنا أن الإيرانيين من الذكاء بحيث يدركون خطورة تلك الخطوة… وقد فهموا ذلك بالفعل، لكن متأخرًا.

حاول نتنياهو إعادة تعريف أزمة الحرب الحقيقية في مضيق هرمز، إذ يحاول تقديم حتى أخطر خطوات الخصم باعتبارها دليلاً على ارتباكه، لا على قوته.

ومن أطرف ما قرأته تعليقٌ نُسب إلى الرئيس الصيني حول الأزمة، حين قال ساخرًا: “لقد وضع الأمريكيون قفلاً على القفل.”

عبارة شديدة البساطة، لكنها تختصر المأزق كله.

فبعد أن أدرك ترامب الأهمية الإستراتيجية الهائلة لمضيق هرمز، بدا أحيانًا وكأنه يتعامل معه باعتباره مشروع نفوذ قابلاً لإعادة التشكيل السياسي والاقتصادي. مرة يلمّح إلى إمكانية ترتيبات مشتركة مع الإيرانيين، ومرة يتحدث وكأن إدارة المضيق نفسها يمكن أن تتحول إلى نوع من “الشراكة” الجيوسياسية، قبل أن يطلق عبارته الغريبة: "مضيق ترامب… عفوًا، زلة لسان… أو ربما لا".

لكن حين فشلت محاولة فرض الهيمنة الكاملة، تحوّل المشهد إلى ما يشبه “حصار الحصار”.

الأمر أشبه بدراجة وضع صاحبها عليها قفلًا، ثم جاء شخص آخر محاولًا الاستيلاء عليها أو مشاركته فيها، وحين عجز وضع قفلاً ثانيًا فوق القفل الأول.

النتيجة؟
لن يستخدمها أحد، ولا حتى صاحبها. 

لكن الفارق هنا أن “الدراجة” ليست شيئًا هامشيًا، بل شريانًا تمر عبره الطاقة والتجارة وأسعار الاقتصاد العالمي كله. ولذلك لم يعد السؤال الحقيقي: من يربح؟
بل: من سيصرخ أولًا؟

وحين انتقل المحاور إلى تراجع صورة إسرائيل عالميًا، خاصة بين الشباب الغربي، فقد ألقى نتنياهو باللوم على حملات الدعاية والأكاذيب عبر وسائل التواصل، ثم أضاف سببًا آخر لافتًا: “الغيرة.”

كلمة بدت كاشفة للغاية.

فهي تعكس رؤية ترى أن جزءًا من العداء لإسرائيل لا يعود فقط للحرب أو الضحايا أو السياسات التوسعية … بل أيضًا لنجاح إسرائيل وتفوقها.

ثم عاد نتنياهو إلى القصة التي كررها مرارًا:
“ألم ترَ الإرهابي السوري وقد انتزع قلب الدرزي وأكله وهو حي؟”

ليعيد بناء الرواية ذاتها:
نحن أمام صراع بين الحضارة والبربرية… وإسرائيل تخوض هذه الحرب نيابة عن الحضارة.

القصة وحشية بلا شك.

لكن ماذا عن عشرات الآلاف من القصص الأخرى؟
عن أم تبحث عن أطفالها تحت الأنقاض، أو طفل يفتش بين الركام عن أهله، أو طفلة تستغيث داخل سيارة قُتل جميع من فيها بينما كان الموت يقترب منها هي الأخرى.

أليست تلك القصص إنسانية أيضًا؟

وربما كان أكثر ما كشفه الحوار ليس ما قاله نتنياهو… بل ما تجنب قوله:

متى تنتهي الحرب؟
ومن يملك حق إعلان نهايتها؟

وربما كانت تلك هي الإجابة الحقيقية.

كلمات البحث
اقرأ أيضًا:
الأكثر قراءة