تحت طاولات التفاوض

23-5-2026 | 16:45

القطب الأمريكي المنفرد أمسى في خبر كان.. النقاش الآن يجري على الألسنة وخلف الأبواب المغلقة على ترتيبات ما بعد أمريكا. هل سيصبح لها مكان أم ستنعزل بعد أن يرتب العالم الجديد أوضاعه وخرائط نفوذه، وفقًا للتراجع الأمريكي الذي ينذر بسقوط وشيك؛ بعد شهور أو بضع سنوات؟!

السياسيون حول العالم، إلا عندنا، يسابقون الزمن لوضع تصوراتهم ومخططاتهم لشكل النظام الدولي الوليد. لأن هذا التصور سوف تنبني عليه تكتيكات وقرارات عاجلة وإستراتيجيات ومخططات سياسية وعسكرية وتحالفات اقتصادية بعيدًا عن القوة التي ينسحب من تحت أقدامها البساط.

وفقًا لهذه التصورات رأينا بالفعل دولًا تسارع باتخاذ موقف عاجل لوضع يدها في يد القوة الكبرى التي أرست بالفعل أقدامها الثقيلة بجوار أمريكا وأكتافها بموازاتها وأعلى قليلاً..

والسؤال الذي يتبادر للأذهان هل ستعود الحرب الباردة بين الشرق والغرب، أم ستأتي حروب ساخنة في الطريق، لتحسم ما لم يحسم في حروب أوكرانيا ثم غزة ثم إيران؟! هل عدنا بالفعل للثنائية القطبية، أم نحن مقبلون على تعدد أقطاب وتكتلات أو صراع حضارات وأعراق؟! ماذا سيحدث للمؤسسات الدولية القائمة، بدءًا من مجلس الأمن إلى الأمم المتحدة إلى الجنائية الدولية، هل ستسير بأقدامها العرجاء هكذا لمدة طويلة أم تنهار وتقام على أنقاضها هيئات جديدة مقرها في بكين أو موسكو؟!

كان الحديث منذ سنوات يجري في إطار تكهنات ومخاوف وهمسات متشككة. الآن باتت كل الأحاديث العلنية الكثيرة في وسائل الإعلام وعلى منصات التواصل تشير بشدة إلى أن جبل الجليد العائم، تكمن تحته ترتيبات أكبر وأعمق، وأن الأهم الآن هو ما يدور "تحت طاولات المفاوضات".

انحيازات أوروبا

ربما يكون المؤشر الأصدق فيما يحدث الآن في العالم من إعادة ترتيب القوى والتحالفات ودوائر النفوذ، هو ما تتخذه القارة العجوز من تحركات وقرارات وانحيازات.. 

فعندما نرى أغلب دول أوروبا تسحب يدها من يد الحليف التقليدي لها منذ الحرب العالمية الثانية، لا بد لنا أن ننتبه بشدة لما سيحدث لاحقًا؛ لأن الفراغ الذي ستتركه أمريكا حتمًا سيمتلئ بقوة أو قوى أخرى جديدة وفقًا لقوانين الفيزياء والاقتصاد! أوروبا لا يمكن أن تترك نفسها نهبًا للصدفة أو الحظ أو الحتميات التاريخية والجغرافية والسياسية؛ لهذا بدأت بالفعل في اتخاذ خطوات عاجلة لملء الفراغ الذي تتركه أمريكا تدريجيًا..

لن يكون أمام أوروبا إلا الصين وروسيا، وربما كندا وأستراليا. بريطانيا مثلاً أقامت تحالفًا اقتصاديًا مع كندا سنشهد تداعياته قريبًا جدًا. ونصف دول أوروبا وقعت اتفاقيات بالأحرف الأولى مع الصين، وربما تحولت تلك الاتفاقيات الصغيرة الخجولة قريبًا إلى اتفاقيات عسكرية ضخمة، أو إلى شراكات إستراتيجية.

الغريب أننا في الوطن العربي ما زلنا لا نصدق أن هذا يحدث. وأن أوروبا يمكن لها بالفعل أن تنسل من داخل العباءة الأمريكية ويصبح لها كينونة جديدة. والسبب أن الوطن العربي ما زال تائهًا؛ يخشى أن يدع ذيل التبعية الأمريكية لئلا ينهار اقتصاديًا وسياسيًا وعسكريًا، كما يخشى أن يبني لنفسه تحالفات إقليمية، ربما أكثر من خوفه من تهاوي النظام العالمي القائم؛ لأن "العقد النفسية التي تحكم الشرق الأوسط"، على حد تعبير هيكل، سوف تظل تفرقنا أكثر مما تجمعنا!!

البترودولار

لعلها الآن أخطر قضايا الساعة.. الهبة العالمية ضد تنامي نفوذ إيران على مضيق هرمز منشأها في الأساس أنه يمثل حجرَ دومينو ضخمًا قد يسقط خلفه عددٌ من أحجار الدومينو الأضخم، وعلى رأسها "البترودولار"..

أحجار أخرى قد يسقطها هرمز؛ كتهاوي نظام سويفت، وتعديل خطوط التجارة وسلاسل الإمداد، وتسعير باقي المضائق والمنافذ؛ وبالتالي رفع سعر النفط وسائر السلع الاستهلاكية في كل أنحاء العالم. مضيق هرمز سيؤثر على البورصة العالمية، وقد تصل تداعيات السيطرة عليه إلى إحداث ركود عالمي شبيه بما حدث عام 2008 وربما أشد فداحة..

المؤشر الخاص بالدول التي تتجنب الدولار وتدفع باليوان في تزايد. والبريكس ينادي بعملة موحدة قد تنافس الدولار، والزيارة الأخيرة للرئيس بوتين لبكين قد تتلوها قرارات نافذة في هذا الصدد تؤدي لتسارع تآكل البترودولار. فإذا انهار الدولار، ستنهار خلفه منظومات اقتصادية كبرى وبنوك وربما دول بأكملها!!

القرار الدولي

الأزمات العالمية المتلاحقة منذ كورونا حتي اليوم أكدت للجميع أن الإجماع الدولي على قرار نافذ حائز على شرعية دولية حقيقية لم يعد بالإمكان. الأمر الوحيد الذي يستطيعه مجلس الأمن الآن هو تعطيل القرارات لا إنفاذها، ولن توجد قوى دولية قادرة على تحقيق ما يقرره مجلس الأمن بعد أن قصفت قوات السلام الدولية على حدود لبنان عدة مرات.. 

أثبتت حروب أوكرانيا وغزة وإيران أن الفيتو صاحب الكلمة العليا دوليًا اليوم. والقرار هو ما تقرره القوى المتصارعة على الأرض. هي شريعة الغاب إذن. لكن لا تزال الجلسات تعقد في الأمم المتحدة حفاظًا على الهيئة العامة للمنظومة الدولية المهترئة.

وحتى يأتي الوقت الذي تتشكل فيه خرائط النفوذ العالمية بصورة نهائية شديدة الجلاء والوضوح والتمايز، سوف يظل القرار الدولي مفروضًا بالقوة، وسوف تنحسر حتى قدرة الفيتو على تعطيل القرارات أو إضعافها. حتى تأتي الحتمية الحضارية التي تستدعي هدم المنظومات القديمة لصالح منظومات جديدة ستنشأ لتعيد ضبط ميزان العدل المفقود.

بهلوانات الحروب

بعد جائحة كورونا رأينا ما يشبه السيرك السياسي والعسكري المنصوب حول العالم، يديره سحرة وبهلوانات وحواة تتغير على يدهم المفاهيم وتنقلب الحقائق وتتبدل المسلمات..

تستولي روسيا على جزيرة القرم، فتنفتح شهيتها لابتلاع أوكرانيا، فإذا بالأخيرة تصمد لأكثر من 4 سنوات كاملة، رغم الترسانة الضخمة التي تملكها روسيا، لكنها تعبث عبث القط بالفأر. وتبرز المسيرات كسلاح تكتيكي جديد يثبت فاعليته على ساحات المعارك، كما تظهر الميليشيات كقوة فعالة في إدارة حروب العصابات داخل المدن.

ثم يأتي طوفان غزة لنشهد حالة عسكرية جديدة يتمرغ أمامها أنف الجيش الأزرق في الوحل، وتبرز قوة الأنفاق وقدرة المقاتل الفرد على إحداث فارق هائل في معارك المسافات الصفرية. 

كنا نظن أننا رأينا كل شيء حتى فاجأنا ترامب، وفاجأتنا إيران بما هو أعجب.. الأول اختطف رئيس دولة لابتلاع نفطها، والثانية فاجأتنا بالقبضة التي أحكمتها حول عنق مضيق هرمز فتغيرت معادلة الردع الإستراتيجي خلال أربعين يومًا غيرت فيها إيران عدة مفاهيم عسكرية قديمة راسخة.. 

الجميع مذهولون كيف قلبت إيران ميزان الحرب لصالحها، ودمرت القواعد الأمريكية وفرضت وضعًا سياسيًا جديدًا في المنطقة رغم أن قوتها العسكرية المتواضعة لا تقارن بقوة خصمها المتضخم المتغطرس.

فى كل هذه الحروب هناك لاعبون خلف الستار؛ حواة وسحرة يبدلون قواعد اللعبة باستمرار، فإذا بنا أمام معادلات عسكرية وسياسية جديدة تمامًا، ستؤدي حتمًا لإعادة رسم خرائط النفوذ.

خارطة العالم الجديد

كثيرون تحدثوا عن "الشرق الأوسط الجديد"، و"سايكس بيكو" الثانية، و"النظام العالمي الجديد" على الطراز الغربي، لكن الواضح أن العالم لا يسير في أي من هذه الاتجاهات الثلاثة.. الجغرافيا تتغير بالفعل، لكن في طريق مختلف عما يخطط له الغرب.

من كان يحسب أن مضائق "هرمز وباب المندب وتايوان" سيصبح لها مثل هذا التأثير على التجارة العالمية؟ من كان يتخيل أن يقاوم العصفور التنين فيردعه ويبعده، كما حدث في كل الحروب الثلاث، حيث أوقفت المسيرات زحف الكتائب، وعطلت الأنفاق تقدم الدبابات، وأجبر صمود المقاومين الأطراف المعتدية على الجلوس إلى مائدة المفاوضات صاغرين!!

خرائط النفوذ الجديدة لن ترسمها القوى الإمبريالية، ولكن سترسمها قوى المقاومة، وقريبًا جدًا سوف تثبت دول ومدن ومناطق، تبدو في أعين الرائين صغيرة تافهة، أنها قادرة على إعادة رسم خرائط الجغرافيا بسيف الصمود.

كلمات البحث
اقرأ أيضًا: