في الحلقة الأولى من عنوان المقال أتحدث عن صورة اليابان عند الكاتب المصري "أخنوخ فانوس" ودوره في تشكيل الوعي المصري، ففي يوم 27 من أبريل عام 1904م، نُشر كتاب "الأرجوزة العصرية" بمطبعة مصر- القاهرة، ونُشرت قبل ذلك بمجلة "المفتاح" الجزء العاشر السنة الخامسة، 15 من أكتوبر 1904م، تبحث "الأرجوزة العصرية" عن تحليل النهضة اليابانية وسر تقدم أهلها، ونصائح للأمة المصرية، وأسباب تقدمها مع دروس ونصائح موجّهة للأمم الشرقية وبخاصة الأمة المصرية، الكتاب عبارة عن أرجوزة شعرية/نثر شعري 430 بيتًا شعريًا تمزج بين السرد التاريخي والتحليل الاجتماعي والسياسي.
وقد كان الدافع الرئيسي لكتابة هذه الأرجوزة هو انتصار اليابان على روسيا عام 1904م، يتناول الكاتب تاريخ اليابان منذ العزلة وحتى نهضة العصر الحديث، مع إبراز أسباب تقدّمها المذهل ويوجّه الكاتب رسائل تعليمية للأمة المصرية وقتها، مستخلصًا العِبر من تجربة اليابان وتاريخ اليابان، اليابان كانت أمة متخلفة نسبيًا حتى منتصف القرن التاسع عشر، مع نظام سياسي وعزلة عن العالم الخارجي، حدث الانفتاح في عهد إصلاحات ميجي عام 1868م، وبدأت اليابان تبني نظام حكم مركزي حديث وإنشاء جيوش حديثة وبدأت تطوير البنية التحتية والمدارس والجامعات، وبعدها أرسلت اليابان بعثات علمية إلى أوروبا وأمريكا، وترجمت كتبًا ومناهج لتحديث المعرفة والتعليم، النهضة اليابانية كانت توازنًا بين الحفاظ على الهوية الثقافية والتعلم من الغرب، وعرض في قصيدته أسباب تقدم اليابان، اليابانيون جعلوا التعليم قاعدة نهضة المجتمع، وتم التركيز على المهارات العملية والعلمية والفكرية، بالإضافة إلى التنظيم والانضباط فالمجتمع الياباني كان ملتزمًا بالانضباط الجماعي، والأخلاق العملية، والعمل الدؤوب.
الاستفادة من الغرب بلا تبعية، وأخذوا أسباب القوة من الغرب التقنيات، العلوم، الإدارة، لكن دون فقدان الهوية الوطنية والتخطيط الإستراتيجي للدولة، كل مؤسسات الدولة والجيش والتعليم كانت متكاملة ومتناسقة لخدمة هدف النهضة والعمل الجماعي، النجاح لم يكن فرديًا، بل نتيجة التعاون بين الأمة بأكملها في مختلف المجالات.
الدروس والنصائح المستفادة من الكتاب للأمة المصرية
النهضة تبدأ بالتعليم والعلم: يجب على مصر الاهتمام بتعليم المواطنين وبناء كوادر قادرة على التغيير.
التخطيط والانضباط أساس القوة: لا تقدم بلا تنظيم، ولا تقدم بلا التزام جماعي.
أخذ أسباب القوة من الآخرين مع الحفاظ على الهوية: يمكن تعلم التجارب الأجنبية لكن لا يجب محاكاتها بلا وعي.
تحويل المعرفة إلى تطبيق عملي: النظرية بلا عمل لا تفيد، فاليابان طبّقت العلم عمليًا في الصناعة والإدارة.
التحرر من الجمود والتقليد: الأمة يجب أن تكون ناقدة وفاعلة في تطبيق الإصلاحات، وليس مجرد مراقب للآخرين.
أهمية الكتاب الثقافية والتاريخية
يجمع بين الأدب التاريخي والتحليل الاجتماعي.
يربط بين تجربة اليابان الحديثة والتحديات التي تواجه مصر والعالم العربي.
يعتبر دعوة صريحة للنهضة المصرية على أسس علمية وعملية.
وفي نهاية القول أن الأرجوزة العصرية لأخنوخ فانوس ليست مجرد تاريخ لليابان، بل خريطة طريق للأمم الشرقية: العلم، الانضباط، التخطيط، والتطبيق العملي هي مفتاح النهضة. اليابان مثال حي على أن الأمة التي تستفيد من المعرفة وتحافظ على هويتها هي التي تتقدم.
ولد الشاعر في مدينة أبنوب محافظة أسيوط عام 1856م، وتوفي عام 1918م، وعمل بالمحاماة في أسيوط، فقد حاول من خلال أرجوزته على المقارنة بين مصر واليابان لتكون الأخيرة عظة وعبرة لمن أراد أن يكون، باعتباره عاشقًا لوطنه مصر وعليه واجب أن يدعو أبناء وطنه للتقدم وخلع الخمول والكسل والانتصار لعزة مصر وكرامتها، كما انتصرت اليابان على روسيا القيصرية في ذلك الوقت.
ومن أشهر أبيات قصيدة الكاتب الشاعر "أخنوخ فانوس" في وصف النهضة اليابانية، بعد انتصارها على روسيا عام 1904م هي:
لـمـا أراد نـهــضــة الــيـابـان من درك الخمول والخسران
أسـعـدهـا الـمنان بالـمـيـكـادو فـحـاطـها الـسـداد والـرشـاد
فـانـطـلـق البـنـان والـلـسـان لـخـدمـة الأوطـان والجـنـان
قد أدرك اليابان هذي الحكمة فانطلقوا من بؤسهم للنـعـمـة
فأسـرعوا في طلب المعـالي من بابها يشرونها بـالغـالـي
وكل يوم تشتكي الأقوام مـن مطمع الغربي حيـث قامـوا
أمـا تـرى الشرقي باليابانـي يفخر فخر الأخ بـالإخـوان
فاستيقظت من نومها اليابان وأدركت ما غرها الغفلان
فــهــذه حــكـايـة الــيـابــان وصـدقها بالسمع والعيـان