في لحظاتٍ فارقة بين الحياة والموت، لا يكون الإنسان بحاجة إلى كلماتٍ كثيرة، بل إلى يدٍ تمتد في الوقت المناسب، وعقلٍ يعرف كيف يتخذ القرار تحت ضغط اللحظة، وضميرٍ مهني لا يتعامل مع المريض باعتباره “حالة”، بل إنسان كامل له أسرة وحياة وأحلام تنتظر نجاته.
وهذا بالضبط ما تعكسه الإنجازات الأخيرة داخل مستشفى أم المصريين العام، والتي تستحق أن نتوقف أمامها طويلًا، لا باعتبارها مجرد نجاحات طبية عابرة، وإنما باعتبارها نموذجًا حقيقيًا لما يمكن أن يحققه الإخلاص حين يقترن بالعلم والخبرة وروح الفريق.
في زماننا تزداد طيلة الوقت، الحديث عن الأزمات والضغوط والتحديات داخل القطاع الصحي، تظهر بين الحين والآخر نماذج مضيئة تعيد إلينا الثقة في الطبيب المصري، وفي قدرة المؤسسات الطبية الوطنية على تقديم مستوى احترافي وإنساني بالغ التميز، مهما كانت التحديات.
ما حققه قسم القلب والقسطرة بالمستشفى خلال الأيام الماضية ليس أمرًا بسيطًا بالمعنى الطبي أو الإنساني.
فالنجاح في إجراء فتح مزمن كامل الانسداد للشريان التاجي الأيمن لمريض كان يعاني جلطات قلبية متكررة، يُعد من التدخلات الدقيقة والمعقدة التي تحتاج إلى مهارة استثنائية، وخبرة تراكمية، ودقة شديدة في التعامل مع واحدة من أخطر الحالات القلبية التي قد تهدد حياة المريض في أي لحظة.
هذا النوع من العمليات لا يعتمد فقط على الأجهزة الحديثة، بل على قدرة الطبيب على قراءة التفاصيل الدقيقة، والتعامل مع احتمالات الخطر بثبات وهدوء، واتخاذ القرار المناسب في التوقيت المناسب. وهنا تظهر القيمة الحقيقية للكوادر الطبية المدربة التي تستطيع أن تحوّل التكنولوجيا إلى فرصة جديدة للحياة.
ثم جاء الإنجاز الثاني ليؤكد أن ما يحدث داخل القسم ليس نجاحًا منفردًا، بل منظومة متكاملة تعمل بكفاءة واضحة؛ إذ نجح فريق القلب والقسطرة في إنقاذ حياة مريض وصل إلى المستشفى وهو يعاني من جلطة حادة بالقلب، وبعد التشخيص السريع تبيّن وجود انسداد تام بالشريان الأمامي النازل الأيسر، أحد أخطر الشرايين المرتبطة بعضلة القلب.
وفي سباق حقيقي مع الزمن، تم التدخل الفوري داخل قسم القسطرة، وتوسيع الشريان وتركيب دعامة دوائية خلال أقل من ثلاثين دقيقة، وفق المعايير العالمية الدقيقة المعتمدة للتعامل مع الجلطات الحادة بالقلب.
وقد تبدو هذه التفاصيل للبعض مجرد مصطلحات طبية، لكنها بالنسبة لأطباء القلب تعني الفارق بين الحياة والموت، وبين قلب يستعيد قدرته على النبض، وآخر قد يفقد جزءًا من عضلته إلى الأبد. ففي مثل هذه الحالات، كل دقيقة لها ثمن، وكل تأخير قد يغيّر مصير إنسان بالكامل.
من أجل هذا، فإن النجاح هنا لا يمكن اختزاله في إجراء طبي ناجح فقط، بل في منظومة إنسانية وعلمية متكاملة، أثبتت أن الاحتراف الحقيقي يظهر في اللحظات الحرجة، حين يكون القرار السريع والدقيق هو الفاصل بين الفقد والنجاة.
وفي قلب هذه الصورة المشرفة، يبرز اسم الدكتور صموئيل لطفي، رئيس قسم القسطرة، ليس فقط باعتباره طبيبًا ناجحًا، وإنما باعتباره نموذجًا للطبيب الذي لا يفصل بين المهنية والإنسانية.
ومن يعرفه عن قرب يدرك جيدًا أن هدوءه وثقته وخبرته ليست مجرد صفات مهنية، بل حالة من الاطمئنان الحقيقي التي يشعر بها المرضى قبل العلاج، وهي قيمة إنسانية لا تقل أهمية عن العلاج نفسه.
وسعادتي الشخصية بهذا النجاح لها بُعد إنساني خاص؛ لأنه ليس فقط صديقًا عزيزًا، بل طبيب الأسرة الذي لمسنا معه دائمًا معنى الأمان والثقة، ورأينا فيه الطبيب الذي يمارس مهنته بروح الرسالة لا بمنطق الوظيفة.
فالطب الحقيقي لا يقوم على الشهادات وحدها، بل على الرحمة، والصبر، وتحمل المسئولية، والقدرة على منح المريض شعورًا بأنه في أيدٍ أمينة. وهذه المعاني أصبحت اليوم نادرة وسط عالم سريع ومزدحم وضاغط، لذلك يصبح الاحتفاء بالنماذج المخلصة ضرورةً أخلاقيةً ومجتمعيةً.
كما لا يمكن الحديث عن هذا النجاح دون توجيه التقدير الكامل لكل أعضاء الفريق الطبي الذين شاركوا في هذه الإنجازات، بداية من إدارة المستشفى بقيادة الدكتور محمد جمال حسني، مرورًا بالدكتور رءوف صلاح نائب رئيس القسم، والدكتور عمرو أبوسريع استشاري القسطرة، وصولًا إلى فرق التمريض والفنيين وكل من شارك في تلك اللحظات الدقيقة.
فالنجاح الطبي الحقيقي لا يصنعه فردٌ واحدٌ مهما بلغت كفاءته، بل تصنعه روح الفريق، والثقة المتبادلة، والانضباط، والإيمان بأن كل مريض يستحق أفضل فرصة ممكنة للحياة.
ومن المؤسف أننا أحيانًا لا نسلط الضوء بالشكل الكافي على هذه النماذج المشرفة، بينما تمتلئ المساحات العامة بالضجيج والأخبار السلبية. فالمجتمعات لا تبنى فقط بالنقد، وإنما أيضًا بالاعتراف بالنماذج الجادة التي تعمل بإخلاص وتمنح الناس الأمل والثقة.
إن ما يحدث داخل مستشفى أم المصريين يثبت أن المستشفيات الحكومية المصرية ما زالت قادرة على تقديم نماذج طبية متميزة حين تتوافر الكفاءة والإدارة الواعية وروح المسئولية. كما يثبت أن الطبيب المصري، رغم كل الضغوط، لا يزال قادرًا على صنع الفارق الحقيقي، وإنقاذ الأرواح، والعمل تحت أقسى الظروف بإيمان كامل برسالته.
فالطب في جوهره ليس مجرد مهنة، بل أحد أنبل أشكال الإنسانية، وحين يتحول العلم إلى رحمة، والخبرة إلى أمل، تصبح غرفة القسطرة مكانًا لا تُجرى فيه العمليات فقط، بل تُمنح فيه حياة جديدة لأناس كانوا على حافة الفقد.
ولكل ما تقدم فإن التحية هنا ليست مجرد مجاملة والتهنئة أيضًا، بل تقدير مستحق لكل يدٍ أسهمت في إنقاذ إنسان، ولكل عقلٍ سهر من أجل مريض، ولكل طبيب ما زال يؤمن بأن أعظم نجاح يمكن أن يحققه الإنسان… هو أن يمنح إنسانًا آخرَ فرصة جديدة للحياة.
هنيئًا لأم المصريين طاقمها الطبي الفريد!