تتنزل علينا هذه الأيام المباركة من العشر الأوائل من ذي الحجة، حاملة معها أنفاس القرب، ونفحات التسامح، وأشواق الحجيج إلى بيت الله الحرام؛ رغبةً صادقةً في السكينة، حيث الكون ضياء وجمال وسلام، يوقظ في النفس الرحمة، والتقرب من الله بالطاعات التي تأتينا كالنسمة وسط ضغوط الحياة.
في هذا الوقت من كل عام، يتملكني حنين جارف يأخذني ويسافر بي إلى هناك؛ إلى هذه الأرض المقدسة التي يلتف حولها الحجيج من كل فج عميق. لقد أكرمني الله بنعمة الحج مرتين، وعشت هذا الجمال والنقاء بكل جوارحي.
ما زلت أذكر، وفي قلبي نبضة وعبرة، مشهد ضيوف الرحمن وهم يلتفون حول بيت الله الحرام، تراهم كتفًا بكتفٍ، تذوب بينهم كل الفوارق الطبقية؛ فالغني بجوار الفقير، والقوي يسند الضعيف، تتوحد ألوان الوجوه رغم تعددها، وتعلو نبضات القلوب بنداء: "لبيك اللهم لبيك"، في مشهدٍ تغسله دموع تمسح تعب الوجوه الشاخصة نحو السماء. كان جسدي ينتفض من ذلك الصوت الخارج من أفواه الحجيج، يغسل روحي ويحييني من جديد.
عشت تلك الهيبة الإلهية واللهفة والحنين للاستعداد للوقوف بعرفات لأداء الركن الأعظم، مجردين من كل مظاهر الدنيا، لا نحمل معنا سوى الأمل في مغفرة تبدأ معها حياة جديدة نقية كما ولدتنا أمهاتنا..
ولكن، وأنا أتذكر هذا المشهد الذي عشته بكل جوارحي وتلك الأيام الجميلة، أجد نفسي أتساءل: أليس من الأولى أن نتأمل أحوالنا هنا، وكيف يعامل بعضنا بعضًا؟ كيف نجتهد في العبادات والصيام، ونزور بيت الله الحرام، بينما نخطئ في حق أنفسنا ومن حولنا في مجالس الغيبة والنميمة؟
إن العبادة الحقيقية ليست مجرد طقوس، بل هي أثر يظهر في طيب تعاملنا، وفي سلامة لساننا ونقاء قلوبنا تجاه الآخرين.
إن من أصعب المواقف التي يمر بها الإنسان، خاصة في محيط عمله، هي تلك اللحظة التي يكتشف فيها أن هناك من يرتدي أمامه قناع المحبة والود، بينما يحمل في غيابه وجهًا آخرَ مليئًا بالكذب والافتراء. ولعلنا كثيرًا ما نسمع عبارة "هذه أمانة مجالس" تُقال لتبرير نقل الكلام أو السكوت عن تشويه سمعة شخص بريء، ولكن أمانة المجالس في جوهرها الأخلاقي لم تخلق لتكون درعًا يختبئ خلفه المغتابون، بل جعلت ميثاقًا لحفظ الأسرار، ولستر العيوب، ولتوفير الأمان لكل شخص يغيب عن المشهد. الأمانة الحقيقية هي أن تصون غيبة أخيك كما تصون وجوده، وألا تسمح لأحد بأن يؤذيه طالما أنه ليس موجودًا ليدافع عن نفسه..
ولأن الحياة تجارب مليئة بالدروس، فإننا نرى مواقف وقصصًا حقيقية تجعلنا نتأمل في سنن الله، وكيف يرسل سبحانه إشارات لتستيقظ الضمائر الغافلة. وأكاد أجزم أنه لم يسلم أحد في رحلة عمره من التعرض لأذى لفظي أو افتراء أو غيبة ونميمة. الجميع قد يشارك في سماع قصص وحكايات عن زملائهم أو جيرانهم بقصد أو دون قصد، دون أن يرد السامعون والسامعات غيبة زملائهم أو إخوانهم.
إن أبشع ما يمر علينا حقًا هو أن نعلي من شأن المغتاب ونعطي له قدرًا في حياتنا، وأن أصعب ما يصيب الإنسان ليس كسر الجسد، بل قسوة القلب والعمى عن رؤية الحقيقة.. فكيف لا نشعر بمرارة الكلمات الباطلة التي يُرمى بها الأبرياء؟
إن الاختلاف في وجهات النظر داخل العمل هو أمر طبيعي، ولكن يبقى الاحترام هو المظلة التي تحمينا جميعًا. من يملك "شرف الخصومة" هم الأسوياء؛ فالسوي مهما كانت درجة اختلافه معك في الرأي، أو حتى في التوافق النفسي والكيمياء الشخصية، يظل محترمًا لإنسانيتك. الخصومة لا يجب أن تتحول إلى فجور أو تصفية حسابات بالباطل؛ لأن تشويه سمعة من نختلف معهم لا يقلل منهم، بل يعبر عن نقص في الأخلاق.
من فضلكم، لا تجعلوا من الغيبة استسلامًا وأمرًا واقعًا لأحاديث غير مباحة، ولا تكسروا عظامكم بالوقوع في تلك البئر المظلمة وتتبع عيوب الناس، ولا تنجرفوا وراء مجالس مريضة تقتات على هدم مشاعر الآخرين، حاربوهم واطردوهم من حياتكم.
فلتكن دعوة دافئة لنبدأ بها صفحة جديدة؛ هل نبدأ من هنا؟ هل نتعلم أن نكون الملاذ الآمن لمن يغيب عن مجالسنا؟ إن رد الغيبة عن الشخص في غيابه هو قمة النبل، والساكت عن تشويه سمعة غيره هو شريك في الأذى. وإذا وجدنا أنفسنا في مجلس لا يذكر فيه الناس إلا بالسوء، فالأولى بكرامتنا أن نغادره فورًا، متمسكين بنقاء قلوبنا وطهارة ألسنتنا.
ونحن نعيش هذه الأيام المباركة، ونستعد للاستماع إلى تكبيرات العيد التي تملأ الدنيا بهجة، دعونا نتساءل بصدق: ما قيمة أن نُطهر بيوتنا وثيابنا، بينما تثقل كاهلنا أوزار الغيبة والزور؟! وما قيمة ذبح الأضحية إذا لم نذبح معها الأنانية والحقد تجاه الآخرين؟!
إن العيد الحقيقي والبهجة الصادقة لا تأتي بالملابس الجديدة، بل بقلب سليم، ونفس صافية لا تحمل غلاً لأحد، ولسانٍ طاهرٍ يبني ولا يهدم. فما قيمة العَشْرة المباركة إن لم تُثمر عِشرة طيبة بين العباد؟
تنالون بها بركة الأيام في الثواب، وليكن حب الناس هو الأضحية الأسمى التي نتقرب بها إلى رب العباد. لتكن هذه الأيام فرصة لنا جميعًا لمراجعة أنفسنا، ولنعلم أن القرب من الله يبدأ من الإحسان إلى عباده.