يا سادة، إنها ليست مجرد ورقة قرار تُسجّل في دفتر دار الكتب والوثائق القومية برقم ١٩٨ لسنة ٢٠٢٦.
إنها لحظة تأمل في مصير الكلمة المصرية، تلك التي كانت ومازالت تُكتب بحرية تدفق مياه النيل، وتُطبَع، وتُسافر إلى دول العالم من بغداد إلى بيروت إلى لندن حاملةً رائحة الإبداع لا رائحة الحبر الرسمي.
الآن، يُطلب من الكاتب والناشر أن يُسلّم ملف "وورد" للكتاب قبل أن يرى النور، شرطًا للحصول على رقم الإيداع.. ليس نسخة نهائية مطبوعة، بل مسودة أولية، خامًا كما خرجت من الروح قبل أن تكسوها ثياب الطباعة.
«هذا ليس تنظيمًا إداريًا، هذا نوع من التلصص على اللحظة التي يفكر فيها الكاتب ويهمس إلى نفسه قبل أن يهمس للعالم، أو التفكير مع نفسه قبل أن ينطق أمام حشود الجماهير».
من منا لم يغير ويعيد ترتيب الأفكار 100 مرة ويعيد الصياغة أكثر من مرة.. ليصل إلى ما يعتقد أنه أفضل حالاً وأحسن مظهرًا وأجود صنعة وأفضل تنظيم؟!
أعتقد أن هذا ليس له مثيلٌ في العالم!! ولست جازمًا، ولكن فيما عرفت عن معظم الدول التي تعرف «الإيداع القانوني» (Legal Deposit)، يتم تقديم النسخة النهائية المنشورة بعد الطباعة والتوزيع.. بريطانيا، أستراليا، كندا، فرنسا، ألمانيا، والولايات المتحدة، كلها تطلب نسخًا من المنتج النهائي للحفظ والأرشفة، لا ملفات «وورد» أولية قبل النشر.
الغرض حفظ التراث بعد ولادته يا سادة، لا مراقبته أثناء ولادته.. والمعنى أن عملية الولادة نفسها صعب أن تتم في العلن.. أو نادرًا أن تتم أمام كل هذه العيون وكل هذه القوانين وأمام كل هذه الجماهير وأصحاب الياقات البيضاء المهندمة.
من يطلب نسخًا رقمية يفعل ذلك بعد النشر، وفي صيغ نهائية (PDF مغلق عادة)، وليس لفحص أو تعديل مسبق.. وإنما حفظ للتاريخ وللأرشيف.. أما طلب المسودة الأولية كشرط للترخيص بالنشر فهو أقرب إلى الرقابة المسبقة التي ألغيناها منذ عقود، وبالتحديد في عهد الرئيس السادات عام 1977.. ولم يعد النشر يخضع لأي تصريح مسبق.
إن «التحديث الرقمي» الذي نريده لا يكون هكذا.. هذا له أثر سيءٌ قد يمتد إلى هجرة للكتاب المصريين.. وقد لا تكون هجرة للكُتّاب فقط (وهي قائمة منذ زمن)، بل هجرة الكتاب والناشر معه.
الناشر المصري الجاد سيجد نفسه أمام خيارين: إما أن يُسلّم «روحه» في ملف وورد، وقد تُنتهك حقوق الملكية الفكرية، أو تُسرب أو تُقلد أو يُعاد نسخُها.. أو يطبع الناشر في بيروت أو عمان أو حتى في تركيا أو أوروبا، فيحصل على رقم إيداع دولي (ISBN) ويوزّع بحرية.
وقد رأينا هذا يحدث في الستينيات، نجيب محفوظ نفسه نشر بعض أعماله خارجًا حين ضاقت السبل. اليوم، مع الأزمة الاقتصادية والحروب التي أغلقت معارض الخليج، يصبح هذا الإجراء سيفًا إضافيًا في صناعة كانت تئن أصلاً.
بدل أن نخفض الجمارك على الورق والحبر، ونُيسّر تراخيص دور النشر، ونبني مكتبات عامة في المدن الجديدة، نضع عقبة بيروقراطية جديدة قد تُحوّل النشر المصري إلى «صناعة سرية» أو «تصدير ثقافي» مقلوب.
إعادة كتابة المشهد برؤية مختلفة تمامًا في أروقة دار الكتب، صدر قرار يبدو في ظاهره بريئًا: أعطونا ملفكم الرقمي قبل الطباعة.. لكن تحت هذه البراءة تختبئ أسئلة ثقيلة: من يقرأ هذه الملفات؟ بأي معايير؟ وماذا لو أبدى القارئ الرسمي ملاحظة؟ أليست هذه وصاية على النص قبل أن يولد؟
هناك من يراها غير دستورية ولم تحدث من قبل.. دار الكتب، دورها حفظ ما كُتب، لا اقتراح ما يُكتب.. والمؤلف يملك حقًا في خصوصية إبداعه؛ ملف «وورد» هو لحظة التعري الكاملة للكاتب، قبل أن يرتدي الكتاب ثوبه للجمهور ويحصل على صوته النهائي.
الغريب في الأمر أن اتحاد الناشرين -الجهة المنتخبة التي تمثل أصحاب الصناعة- قد فوجئ بهذا القرار كما يُفاجأ المرء بضيف غير مرغوب في بيته.
قرار لم يُناقش، لم يُعلن بالطريقة المعتادة، وجاء في توقيت يشبه الطعنة في الظهر، توقيت في غاية الصعوبة.. حين تواجه صناعة النشر ارتفاع الأسعار، وفقدان معارض الخليج، وتزوير الكتب الذي لا يُحارَب بجدية.
بدل أن تُمد يد المساعدة، مثل تخفيض جمارك الورق، وتسهيل التراخيص، بناء مكتبات حية، أو إحياء مشاريع جامعة كبرى كمشروع «القراءة للجميع» - نرى قرارًا يُعقّد الطريق.
وكأننا، بدلا أن نشجع «القوى الناعمة»، نعلن حربًا بيروقراطية عليها.
الإيداع القانوني، في جوهره، إجراء شكلي لحفظ التراث في صورته النهائية.. أما جمع المسودات فهو أمر آخر.. لو أردنا تحولاً رقميًا حقيقيًا، فلنستعن بخبراء المكتبات العالميين، ولنصمم نظامًا يخدم الإبداع لا يُثقله.. هناك مئات الشركات المتخصصة، وخبراء يستطيعون أن يجعلوا دار الكتب منارة حديثة دون أن يحوّلوها إلى محكمة للنصوص.. ويمكننا العمل على أفكار جديدة للاستفادة من كل هذه النصوص بداخلها بالتعاون مع دور النشر المختلفة.. والكل يستفيد.
يا أهل الكلمة، الكتاب طفل يجب أن يولد حرًا.. تراه بعد ولادته لا أثناء ولادته.. فربما من كثرة المدققين فيه.. يولد مشوهًا.