21-5-2026 | 10:59

أمورنا وأحوالنا، ليست بحاجة إلى تنجيم، لا بضرب الودع، ولا بقراءة الكف والفنجان والطالع، بل بالتدقيق والتمحيص، والبحث والتحليل، وربط المقدمات بالنتائج، والماضي بالحاضر والمستقبل، مع قراءة متأنية للتاريخ، وعلى علم القياس، المتعارف عليه، في استخلاص الأحكام والنتائج.
 
وما التوقعات إلا منهج علمي احترافي، يبني قراراته، اعتمادًا على المنطق، بعيدًا عن العاطفة، بعيدًا عن التشبث بتاريخ مضى، ومضت أيامه، وحنجورية فارغة لا تُسْمِنُ ولا تُغْنِي من جوع.
 
أقام المسلمون الأوائل دولة العدل، ففُتحت لهم بلاد الدنيا كلها، وأضحت دولتهم الأقوى والأعظم، التي تعني لكلمتها الجباه، وتتصدع من هول بأسها العروش. 

دولة أعلن قائدها، رسول الله، صلى الله عليه وسلم: «لو أنَّ فاطِمةَ بنتَ مُحَمَّدٍ سَرَقَتْ لَقَطَعْتُ يَدَها»..
 
فاطِمَةُ هذه، عليها السلام، هي سَيِّدَةُ نِسَاءِ أَهْلِ الْجَنَّةِ! التي قال فيها (صلى الله عليه وسلم): «بَضْعَةٌ مِنِّي، يُرِيبُنِي ما يُرِيبُهَا، وَيُؤْذِينِي مَا يُؤْذِيهَا». 

وهو نفسه (صلى الله عليه وسلم) الذي سيقطع يدها، لو سرقت (افتراضًا مستحيلاً) ولن يأمر أحدًا غيره بهذا الفعل! على الأقل ليحجب عن عينيه رؤية هذا المشهد المهيب.
 
وهكذا سار أصحابه (صلى الله عليه وسلم) على نهجه، فهذا هو الصديق، أبوبكر، رضي الله عنه وأرضاه، يوم مبايعته بالخلافة، يقول: «إني قد وُلِّيتُ عليكم، ولستُ بخيركم، فإن أحسنتُ فأعينوني، وإن أسأتُ فقوموني، الصدق أمانة، والكذب خيانة، والضعيف فيكم، قوي عندي، حتى آخذ له حقه، والقوي فيكم، ضعيف عندي، حتى آخذ الحق منه».. 

ابنة بائعة اللبن؟! التي منعت أمها، من خلط اللبن بالماء، وقالت لها: ألم ينهَنَا عمرُ؟ فقالت الأم: إن عمرَ لا يرانا! فقالت البنت: ولكنَّ ربَّ عمرَ يرانا! 

لما استمع أمير المؤمنين عمر بن الخطاب، رضي الله عنه وأرضاه، لهذا الكلام المذهل، زوجها لأحد أبنائه، وكان الحفيد الأعظم، عمر بن عبدالعزيز، خامس الخلفاء الراشدين، الذي ملأ الكون عدلاً.

الفاتحون العظماء، خالد بن الوليد، سيف الله المسلول، بطل المعارك كلها، ومعركة اليرموك. 

عمرو بن العاص، داهية العرب، وفاتح مصر. سعد بن أبي وقاص، أحد العشرة المبشرين بالجنة، وقائد القادسية. طارق بن زياد، فاتح الأندلس. محمد الفاتح، فاتح القسطنطينية. وغيرهم المئات.
 
في ليلة معركة حطين، التي استعاد بها المسلمون، بيت المقدس، وهُزِمَ فيها الصليبيون، كان القائد صلاح الدين الأيوبي، يتفقد خيام الجنود، فيسمع هَذِه الخيمة، أهلها قيام يُصَلُّونَ، وهَذِه أهلها يذكرون، وتلكَ يقرأون القُرآن، حتى مرَّ بخيمة، كانَ أهلُها نائمين، فقالَ لِمَنْ معه: «من هذه الخيمةِ سَنُؤْتَى»!! 

ولما غرق اللاحقون من أمراء المسلمين في الملذات، وانشغلوا بالمؤامرات، على بعضهم البعض، سقطت بلادهم، وهوت عروشهم، وتجرعوا ويلات الذل والمهانة.
 
تتذكرون يوم دخل هولاكو بغداد، وقتَل العُلماء والقضاة والتُجار، وقال لجنوده: أبقوا المستعصم حَيًّا، حتى يَدُلَّنَا على أماكن كنوزه.

وذهب المستعصم معهم، ودلْهم على مخابئ الذهب والفضة والنفائس، وكُل المقتنيات الثمينة، داخل قصوره وخارجها، ومنها ما كان يستحيل أن يصل إليه المغول بدونه، حتى إنَّه أرشدهم إلى نهر مطمور، من الذهب المصبوب والمتجمد، لا يعلمُ أحدٌ بمكانه، فقال له هولاكو: لو كُنتَ أعطيتَ هَذَا المالَ لشعبِك، لحموك مِنِّي.

لم يبكِ المستعصم على الكنوز والأموالِ، ولا على ملكه الضائع، ولكنَّه بَكَى حين أخذ هولاكو يستعرضُ الجواريَّ الحِسانَ، وعددُهن 700 زوجة وسُرّيّة، وألف خادمة، وأخذ الخليفة يتضرع إلى هولاكو، قائلاً: مُنَّ عَلَيَّ بأهلِ حَرَمِي، اللائي لم تطلعْ عليهُن الشمسُ والقمرُ! 

ضَحِكَ هولاكو، من قَول المستعصم، وأمر أنْ يضعوه فى شوال (كيس من الخيش) وأمر جنوده بأنْ يضربوه، رَكلاً بالأقدام، حتى الموتِ.
 
يقولُ المؤرخون: إنَّ ما جمعَه بنو العباسِِ فى خمسةِ قرونٍ، أخذَه هولاكو فى ليلةٍ واحدةٍ.

إن التحليل المنطقي، هو عملية تفكيك الأفكار والقضايا والمشكلات، إلى عناصرها الأساسية، وفحص كل جزء بدقة، وتحديد مدى ترابطه وصحته، استنادًا إلى الأدلة.
 
وهو ما يؤدي في النهاية إلى كشف التناقضات، واستنباط النتائج السليمة، والوصول إلى فهم موضوعي سليم، بعيدًا عن العواطف. 

هل حدثكم التاريخ يومًا، عن نصر كامل لظالم، أو سلطان دائم لطاغية، أو نجاح متواصل لفاشل، أو نجاة لمستبد.
 
حتى وإن فتحت لهم الدنيا ذراعيها! فهو فتح مؤقت، وخديعة مهلكة، ونهاياتهم واحدة، بسيناريوهات متنوعة، ولن تجد لسنة الله تبديلاً. 

لا تضع نفس المقدمات، وتتوقع نتائج مختلفة.
 
ولا تكن كالذي يزرع البرسيم، وينتظر جني البرتقال!
 
إن تقدم الأمم إنما يكون بالعدل، وهلاكها يكون بالظلم، ومَنْ يظن غير ذلك فقد أساء الأدب مع الله، فالله هو العدل، الله هو الحق.
 
﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾.. .. 

الكفر بأنعم الله = الجوع والخوف.. منطق، حدث ويحدث وسيحدث.
 
حياتنا ليست بحاجة لأقمار صناعية لكشفها، ولا لعرافين، أو دجالين، أو خبراء بالطالع والأبراج والنجوم.. لما جلست عرافة عبدالحليم حافظ ونزار قباني تتأمل فنجانه المقلوب! 

قالت: يا ولدي لا تحزن! 

لم تكن العرافة على علم بأي شيء! فقط رأت خوفه وتوتره، فبنت عليهما كل شيء!! 

العرافة تجهل كل شيء، ودائمًا تبني روايتها على مخاوف الناس وآمالهم.
 
العرافة لم تكن خائفة كما قالوا، العرافة كانت ماكرة!
 
وكان الأصوب أن يبدأوا أغنيتهم: 

جلست والمكر بعينيها، تتأمل فنجاني المقلوب!

كلمات البحث
اقرأ أيضًا:
الأكثر قراءة