معلم التاريخ.. وأنا

21-5-2026 | 10:58

مصر الأبية لها تاريخ عظيم يجب أن يُفَنَّد تفاصيله ويسرده شخص كريم، معلم مجتهد يؤمن بأن التعليم رسالة وأن المعلومة يجب أن تُصاغ بتبسيط شديد، يغرس من خلاله روح الانتماء في قلب جيل جديد سيحمل رسالته هو الآخر عما قريب، جيل يعلم قدر وطنه وأمته، يشاهد في كل جهة أمجادًا وتاريخًا ينطق كلُّ جزءٍ فيه بعظمتها، ويرى في كل شبرٍ منه رمزًا ودليلًا. 

كان حظي مثل حظ هؤلاء المحظوظين الذين تلقوا في الماضي تعليمًا عظيمًا، تعلموا على أيدي معلمين أحبوا عملهم وبذلوا كل ما ملكوه فيه، فهم مهرة بارعون، يملكون إحساسًا جارفًا بالمسئولية، حملوا الأمانة مما جعلهم قادرين على جذب جيل جديد، يقف كل فرد منهم أمام طلابه فخورًا بما قدمه من جهد ومن تفانٍ مكنه من تبسيط حكايات مرت من قبل ثم دونها التاريخ، كانوا يقومون بتقديم أفضل أداء لهم مدركين قيمة خلق جيل يجب أن يبقى يقظًا، مدركًا عظمة بلاده وأمته بأكملها. 

يقبل على ما يدرسه متحمسًا، يؤمن بضرورة الاندماج مع ثقافات أخرى، يلم بالحضارات الإنسانية ويصنع منها تنوعًا منسجمًا يشكله ليعيش فيه، ينتقي من الأخلاق أحسنها، يتحلى بها ويعلم أنه في النهاية هو الفائز عند الله وعند عباده؛ فما قام به من فعل جليل سيبقى ويُكتَب له في صحيفته إلى يوم الدين، يخرج جيلًا واثقًا بأن الاختلاف أبدًا لا يخيف، يؤمن بضرورة قبول الآخر، يعرف أن الوطن أمانة فيحملها بتأنٍّ وتفكير؛ لأنه يؤمن بأن وطنه الحبيب يجنح للسلم دومًا، ولا يعادي إلا من يعاديه.

في يوم قريب وجدت نفسي أمام موقف عظيم بعد أن انضممت لإحدى مجموعات التواصل الاجتماعي فيس بوك، فوجئت بأن هناك من بين أعضاء هذا الجروب من يحمل اسمًا بقي بذاكرتي ولم يزل باق إلى الآن وسيبقى إلى الأبد، عثرت على كنزي الثمين، اسم وصورة لمعلمي الفاضل الذي قام بالتدريس لي في حقبة الثمانينيات عندما كنت في الصف الثاني من المرحلة الثانوية، كنت حينها أدرس في إحدى دور المعلمات بحي الحلمية الجديدة العريق. 

بدأت المشاعر تغزوني، تتحد وتقتحم بقوتها ذاكرتي، تعود بي بسرعة فائقة لماضٍ جميل، تمهد السبيل أمامي وتشجعني على ضرورة البحث عنه فورًا بعد أن مرت على هذه الحقبة عقود وعقود، أذكر جيدًا بأنه كان حينها خريجًا جديدًا، أذكره حين دخل علينا حجرة الدراسة لأول مرة، كان الحياء يملأ وجهه، ومن خلفه الخوف الذي جعله يخشى التعامل مع فتيات مراهقات يقتربن من عمره، وهذا سلوك يعكس إيمانه بربه وبأنه يتقيه.

كثيرًا ما كان يتعمد غض بصره، كان يتجنب التعرض لمزاح الفتيات الصغيرات الجريئات حين يحدقن فيه، ثم ينجح ببراعة في تسريب ملامح الانضباط والجدية لتمنع ما قد يحدث من أمور تشتته بوقار عظيم، كان بين الحين والآخر يذكرنا بأننا أخوات له، وبأننا سنصبح معلمات في يوم قريب، كم استفزت جديته بعض الزميلات الجريئات، كم أرقتهنَّ دماثة خلقه فهو الرجل الخلوق، قضى بحكمته على حلمهنَّ في إيجاد ثغرة تتيح لهن التساهل معه والثرثرة فيما يضر ولا يفيد.

أذكر أني كنت أستمتع بدراسة مادة التاريخ الإسلامي التي كان يقوم بتبسيطها لنا، كان يحول التاريخ لقصص وحكايات، إلى سرد رائع ولذيذ، استطاع بمهارته أن يجذب إليها الجميع، الحقيقة تقول إنَّ من عمل بحب وضع أساسًا لا يمكن هدمه أو تجاهله أو نسيانه على مر السنين. 

أعود ثانيةً للحديث عن معلمي الجليل الذي أكن له كل الاحترام والتقدير، أردت أن أنتهز الفرصة وأتواصل معه، فكتبت جملة تخبره بأني كنت إحدى طالباته، وأنه لم يزل ببالي، ما زالت صورته في ذهني تسكن وتعيش، كم كنت أذكره وأحكي عنه وعن مدى تأثيره الكبير في جذبي وشدة حبي لمادة التاريخ، بعد أن حولها لحكايات ممتعة، لقصة شيقة، لعرض مسرحي يجسد الأحداث والأشخاص، يجعلهم قريبين منا، يدفعنا دومًا لاستذكاره والاستزادة من القراءة فيه.

نجح معلمونا في صنع حالة من الانسجام بين العلم والترفيه، قدموا لنا من أنفسهم ومن صحتهم ما جعلهم يشبهون الأهل، ملأوا قلوبنا بالأمل ووفروا لنا مناخًا جاذبًا للمدرسة والتعليم. أما عن سعادة أستاذي فكانت غامرة، كنت معلمة لعقود وأعلم جيدًا هذا الشعور، حين يسأل عنك تلميذك ويشكر لك صنيعك تصبح كمن عادت إليه الحياة وتملأ دربك الأزهار والورود، تنثر عطرها حولك وتعدك بالمزيد.

الشكر موصول لكل معلم ترك في حياتنا أثرًا طيبًا، سرنا ولم نزل على دربه نسير، لكل معلم ذكي استطاع الدخول لعقولنا ولقلوبنا بلا استئذان فهو الأب والأخ الكبير، كل التحية لمن فاضت علينا عطاياه، كل الشكر لمن جعل من التعليم متعة وغاية، لمن غرس بعمله الدؤوب الوفاء بداخلنا، فهذا جزاء لما قام به ومهما فعلنا فلن نوفيه حقه، فضله لا ينكره إلا من تعود نكران الجميل، ومن حاد عن الطريق المستقيم.

تحية لكل معلم عرف واجبه، أداه بإخلاص لوجه رب عليم، تحية لمن عاش لغيره فملك على أثره كل القلوب، له منا جميعًا الاحترام والتبجيل ودعوات صادقات برزق وفير، وبصحة وعافية تكفيه وتفيض.

كلمات البحث
اقرأ أيضًا:
الأكثر قراءة