تمرست أستاذة اللغويات بالجامعة الأمريكية في القاهرة والروائية ريم بسيوني في إعادة سرد تاريخ مصر عبر رواياتها التي تنقلت بين عصور الدولة الطولونية ودولة الفاطميين ودولة المماليك لكنها هذه المرة قفزت قفزة بعيدة إلى نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين في روايتها الأحدث (كوم النور.. عباس حلمي الثاني) الصادرة عن دار نهضة مصر في القاهرة.
وقالت في فيديو على صفحتها بفيسبوك "عباس حلمي.. اسمه كان حواليا في أماكن كتير أوي، يعني مثلا وأنا رايحة المتحف الإسلامي اللي كنت بحب أقعد أكتب فيه وأنا بكتب (القطائع) وأنا بكتب (الحلواني)، اكتشفت إن اللي بنى المتحف الإسلامي هو عباس حلمي، وأنا بعدي على جامعة القاهرة، اكتشفت إن اللي عمل جامعة القاهرة هو عباس حلمي، وطبعا المماليك.. أكتر ناس أنا بحب المساجد بتاعتهم، فأكتشف إن اللي جدد مساجد المماليك هو عباس حلمي. الاسم كان بيطاردني، حسيت إني لازم أعرف أكتر عنه".
لكن إذا كان الخديوي عباس حلمي الثاني كتب بنفسه مذكراته الشخصية بعنوان (عهدي) باللغة الفرنسية وترجمت إلى عدة لغات كما أصدرت زوجته الثانية جاويدان هانم كتابا عن حياتهما معا إضافة إلى ما أورده المؤرخون والكتاب من قصص وحكايات عن حكمه وحياته الشخصية، فما الجديد الذي يمكن أن يضيفه خيال الروائية المصرية الحاصلة على جائزة الشيخ زايد للكتاب في الآداب عام 2024 وجائزة الدولة للتفوق في الآداب عام 2022؟.
تعمل ريم بسيوني في الرواية الصادرة في 591 صفحة على تقديم سردية شعبية مغايرة للسردية الرسمية الواردة في الكتب والوثائق التاريخية، وهو ما يظهر من الصفحات الأولى إذ بدأت رحلة البحث عن الهوية الحقيقية للخديوي عباس حلمي الثاني من إحدى قرى مصر، قرية (كوم النور) بمحافظة الدقهلية، التي اتخذت منها عنوانا للرواية ومنطلقا للحكي وجعلت الأحداث تنساب على لسان الراوي الشعبي الذي يجسده الحاج عبد الله هلال (90 عاما)، على غرار ملاحم الأبطال الشعبيين أمثال أبو زيد الهلالي والأميرة ذات الهمة والناصر صلاح الدين.
يظل صدى صوت الحاج هلال يتردد بين ثنايا فصول الرواية مرسلا بشحنات معنوية داعمة على طول الخط إلى عباس حلمي الثاني مثل "يا عباس، عمك هلال يحتضنك اليوم، ويبعث لك السلام" و"عمك هلال يشفق عليك يا عباس.. ويبعث لك السلام" في تأكيد من المؤلفة على أن حب المصريين ودعمهم لسابع حاكم من أسرة محمد علي كانا الدافع الدائم والمحرك الرئيسي لكل خطواته وقرارته التي انتهت إلى خلعه من الحكم مع اندلاع الحرب العالمية الثانية في 1914 بسبب موقفه المناهض للاحتلال البريطاني.
ثنائية أخرى تبتدعها المؤلفة في مسار توطيد شعبية الخديوي عباس حلمي من خلال علاقته مع البهلوانة أم الشعور، تلك الشخصية الغرائبية المستمدة من عالم الأساطير والسحر، والتي يتعلق بها الأطفال والكبار على السواء بفضل لياقتها الفائقة ومهارتها في السير على الحبل، وهو ما شكل بوضوح على مدى الرواية انعكاسا لدهاء وذكاء الخديوي ومهاراته في المناورة والمراوغة والتحايل على خصومه من أجل الوصول لأهدافه سواء خلال فترة حكمه أو حتى أثناء وجوده بالمنفى في أوروبا لاحقا.
نقطة أخرى تكسب الرواية اختلافا عما سبق كتابته عن الخديوي، فبجانب ترسيخ صورة الحاكم الوطني المحبوب وذكر كثير من إنجازاته في إنشاء المتاحف وتأسيس الصحف وشق الطرق، تقوم المؤلفة بتفكيك وإعادة بناء علاقته الإنسانية بعائلته، تلك العلاقة التي اتسمت بالمسؤولية الكبيرة والاهتمام البالغ والحنان المفرط، لا سيما تجاه والدته أمينة هانم وزوجته إقبال هانم وشقيقه الأمير محمد علي وشقيقته الصغرى نعمة الله وابنه الأمير محمد عبد المنعم، إضافة إلى طرح تصور جديد للعلاقة بينه وبين والده الخديوي توفيق المتهم تاريخيا بموالاة الإنجليز والإطاحة بالجد الخديوي إسماعيل.
وبينما تمثل الرواية مسعى جادا لإعادة قراءة وتفسير سيرة رجل حكم مصر قرابة 23 عاما (1892-1914) وارتباطه الوثيق بالبلاد وشعبها ومحاولاته اللانهائية لتحريرها من الاحتلال كما رأتها عيون عامة الناس، فإنها على مستوى مواز تطرح تصورا شاملا لما كانت عليه أوضاع مصر والعالم إبان الحرب العالمية الأولى وتغير التوازنات والتحالفات السياسية بعدها وتستحضر العديد من الشخصيات التي برزت خلال تلك الفترة من أمثال الزعيم الوطني مصطفى كامل والأديب طه حسين والرائدة النسوية سهير القلماوي.
وإجمالا، إذا أراد القارئ أو الناقد تصنيف رواية (كوم النور.. عباس حلمي الثاني) فسيكون من الصعب وضعها وسط الروايات التاريخية أو السياسية لأنها أميل لأن تكون دراما اجتماعية بنيت على أحداث واقعية جرت في نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين.