فإنه على الرغم من مرور تسعة قرون على مولد ابن رشد فيلسوف المغرب والأندلس، إلا أنه لا يزال يحيا بيننا بفكره المتقد وقريحته المتوهجة، فما إن تخبو جذوة التفكير الإبداعي القائم على العقل، إلا ويحاول المرجفون في المدائن أن يخمدوا أنوار العقول عن طريق ما يبثونه من خرافات وخزعبلات بهلولية، وشطحات لا يقبلها العقل الفطين، الغرض منها طمث هويتنا العقلية وإماتة روح التعقل والاستبصار، بغية تطبيق المقولة البئيسة (لا نرى، لا نسمع، لا نتكلم)، أو التسليم بما يقدم إلينا من منتوج سياسي أو اقتصادي، أو اجتماعي، أو ثقافي، فنقبله قبول المغشي عليه من الموت (لا تجادل ولا تناقش يا أخي، وإلا فلست بأخ).
إلا أن أبا الوليد محمد بن محمد بن أحمد بن رشد قاضي القضاة ستظل مكانته محفورة بأحرف من نور في ذاكرة أصحاب العقول التي تفكر، ودليلي على ذلك أن معظم الأوساط العلمية والأكاديمية والمراكز البحثية على مستوى دول العالم لا تزال تحتفل بمولده إلى الآن فتقام المؤتمرات وتعقد الندوات التي تتبارى فيها الأفكار مستحضرة فكره العقلاني، عن طريق قراءة معاصرة لمؤلفاته برؤى وتصورات جديدة غرضها استنباط أفكار جديدة تحاول أن تقدم حلولاً عقلانية تتصدى لحالات الفوضى والعبث اللافكري التي يعيشها واقعنا المعاصر، محليًا وإقليميًا وعالميًا.
نعم ما أحوجنا الآن إلى عقلانية ابن رشد التي ظل يدافع عنها إلى آخر نفس من أنفاسه، عقلانيته التي عرضته للاعتقال والاضطهاد والنفي، والتنكيل به من قبل رجال الدين لا علماء الدين فبون شاسع بين المصطلحين وإن كانا يجمعهما لفظة الدين، لكن شتان بين من يوظف الدين لخدمة مآربه، ومن يعمل للدين وبالدين من أجل الإفادة والاستبصار.
نعم ابن رشد عالم من علماء الدين، ألم يتولَ منصب القضاء، ألم يؤلف بداية المجتهد ونهاية المقتصد فعقلانيته دعوة إلى الاجتهاد معملاً حديث النبي "صلى الله عليه وسلم"، إذا اجتهد العالم وأصاب فله أجران، أجر اجتهاده وأجر إصابته، وإذا اجتهد وأخطأ فله أجر اجتهاده، وهذا ما طبقه على نفسه، لكن اجتهاداته لم ترضِ عوام وهوام القوم ممن يدعون العلم الشرعي، وهم أبعد ما يكونون عنه.
فلم يرضوا عن تأويلاته وهو يتحدث عن دليل الحركة الذي قدمه أرسطو للاستدلال على وجود الله، ولم يرتضوا دليل العناية الذي قدمه دليلا على وجود الله تعالى، فعلى الرغم من أن مبانيه يقبلها العقل ويؤيدها النقل، إلا أن العقول أصابها الجمود والتخلف والرجعية، عقول طبع الله عليها فتوقفت عند ظاهر النص ولم تتخطَّه؛ مما جعل كثيرًا من المستشرقين يتهمنا بالتخلف والرجعية، ظنا من هؤلاء المتحجرة عقولهم، أنهم بأفاعيلهم النكراء يحفظون بيضة الدين من التشويه والتحريف، لكن من الذي قال إن تحريك النصوص الدينية وإخراجها عن صمتها واستحضارها لخدمة قضايا واقعنا المعاصر، بل العكس هو الصحيح، فما أحوجنا إلى عقلنة وتعقل هذه النصوص، وإلا فلماذا أقر النبي صلى الله عليه وسلم مبدأ الاجتهاد، وإلا فلماذا يوجد لدينا علم الفقه وأصوله، هل هذه العلوم تفرغ النصوص من محتوياتها، هل تعبث بهذه النصوص أم تخرجها عن صمتها وتخرجها من بطون الكتب فتجعلها آيات تتحرك على أرض الواقع الذي نحياه، ألسنا في أمس الحاجة إلى ذلك الآن، فما قيمة أننا نحفظ القرآن الكريم، وأحاديث النبي ولم نفعلهما في حياتنا، وفقًا لفقه الواقع وفقه الضرورة.
هذا ما فعله أبو الوليد بن رشد أراد أن يلقي حجرًا في المياه الراكدة معملاً منهجه التأويلي دونما إخلال بالنصوص ولي عنقها، ودونما تأويلها تأويلاً فاسدًا، وهذا ما سبقه إليه الإمام الغزالي، في كتابه قوانين التأويل فالمطلع على هذه القوانين يجدها هي هي مع اختلافات في الصياغة.
عندما تحدث ابن رشد في فصل المقال فيما بين الحكمة والشريعة من اتصال.
أنظروا ماذا قال، قسم صنوف الطالبين للمعرفة والساعين إلى الحقيقة إلى ثلاثة أقسام، الخطابيون، الجدليون، البرهانيون، وهؤلاء هم أهل البرهان القائم على العقل.
نعم نحن الآن في أمس الحاجة إلى عقلانية ابن رشد، فقضايانا كثيرة، لكنها ليست عصية الحلول، لكن ضرورة ملحة أن نستحضر فكر هؤلاء العمالقة الذين أفنوا أعمارهم بحثًا عن حلول لمشكلات أوطانهم، نعم لدينا مشكلات كثيرة، أخلاقية، دينية، ثقافية وعندما أقول ثقافية فأعي ما أقول، نريد أن ننهض بثقافتنا وبشعوبنا العربية والإسلامية، ولن تحدث هذه الصحوة إلا بسبيلين أولهما، التخلي، وثانيهما، التحلي، أما التخلي فلن يكون إلا من خلال إعلاء ثقافة الحوار عن طريق دمج كل الاتجاهات الفكرية إعلاء لمبدأ الحوار، ألم يعلِ ابن رشد مبدأ الحوار ولم ينفرد برأيه، لكن الغباء ملة واحدة، حاورهم فبدلاً من أن يقنعوه ثاروا ضده وألبوا عليه هوام القوم وحكامهم.
أما التحلي، فلن يحدث إلا من خلال إعمال العقل وعرض كل ما يطرح أمامنا من أطروحات على العقل، وتتم مناقشته مناقشات عقلية من أجل الوصول إلى حلول ناجعة تحرك المياه الراكدة، وتلقي بأحجار في بحيرات الثقافة العربية الراكدة، ليس هذا وحسب بل وعن طريق الانفتاح على الآخر.
نعم إن الحديث عن أبي الوليد بن رشد حديث جد شيق ومثير، وإذا حاولنا أن نستعرض ما كتبه وأورده في مؤلفاته فلن تكفينا مقالات كثيرة.
رحم الله ابن رشد الفقيه الفيلسوف، رائد الاتجاه العقلاني في الفلسفة العربية والإسلامية.
* أستاذ الفلسفة الإسلامية بآداب العاصمة ورئيس القسم السابق