قرأتُ مقالًا بديعًا، وجدتُ فيه تحليلًا فريدًا، من زاوية خاصة، لا أظن أن أحدًا تطرَّق إليها من قبل. المقال عن الغربة وأغانيها، بقلم كاتب مغترب. لكنني وجدتُني بعده أشردُ متأملًا، متسائلًا، يغمرني الخوف من الغد!
«بليغ حمدي.. موسيقار الغربة»، هكذا جاء عنوان المقال الطويل، أو الدراسة القصيرة، للكاتب الصديق والمخرج الصحفي الفنان شريف طه، الذي يعمل حاليًّا خارج مصر، وقام بنشر المقال في مدونته التي اختار لها اسمًا موحيًا هو: «مسافات».
كتب «شريف» بحس المغترب، الذي تنضح كلماته بأنين غربته: مِن «خليك هنا» إلى «الطير المسافر».. كيف لحَّن بليغ المسافة؟ وقال: في كل بيت مصري تقريبًا، كان هناك يوم يُسمى ببساطة: يوم السفر.. شنطة مفتوحة على السرير، أوراق مطوية بعناية داخل جيب القميص، دعاء خافت عند الباب، ودموع محبوسة في العيون كي لا تُفسد لحظة الوداع.
منذ سبعينيات القرن الماضي - يضيف- لم يعد السفر استثناءً في الحياة المصرية، بل صار جزءًا من نسيجها اليومي. تحول من مغامرة فردية إلى حل جماعي، ومن خطوة مؤقتة إلى مسار حياة. ومع هذا التحول تغيرت البيوت نفسها. سياسات الانفتاح فتحت أبواب السفر، وكبر حلم «أسافر سنة وأرجع» حتى صار سنوات ممتدة.. وصارت الغربة حكاية تتكرر في كل بيت.
«ومع اتساع هذه الحكاية، لم تعد الأغنية مجرد تعبير عن مشاعر فردية، بل صارت تعبيرًا عن حال مجتمع كامل.. كانت تلتقط ما يحدث في البيوت بصمت، بعيدًا عن لغة الأرقام والسياسات، وتكشف أثر الغربة في تفاصيل الحياة اليومية».. وجاءت ألحان بليغ حمدي لتصبح جزءًا من هذا التحول، عبر إعادة صياغة مشاعر أبطاله.
«بلاش تفارق».. لم يكن مجرد رجاء بالبقاء فحسب، بصوت وردة وكلمات محمد حمزة، إنما هو خوفٌ صامتٌ من فراغ البيت إثر الرحيل، ومن غيابٍ سيغير إيقاع الحياة بالكامل، لكن.. تأتي اللحظة التي تُحسم فيها الأمور، «خلاص مسافر»، لتؤكد نبرة شادية بكلمات محمد حمزة ولحن بليغ الحزين أنه لا مجال للتردد، القرار اتُّخذ، والخوف ليس من الطريق، بل من أثره البعيد.. بين الأغنيتين، تتجسد ملامح المرحلة بوضوح: رجاء بالبقاء يقابله قرار محسوم، وخوف من تغير وجه الحياة يعقبه تسليم بالرحيل.
وفي محاولة لمواجهة الغياب الذي لم يعد احتمالًا بل واقعًا قائمًا، يأتي النداء: «خدني معاك»، شادية وحمزة أيضًا، ويتكرر بإلحاح، لعل وعسى.. لا سيما في ظل ما صار إليه حال البيت بعد الرحيل؛ سكون ثقيل، عبَّرت عنه عفاف راضي بكلمات حمزة: «وحدي قاعدة في البيت»، الوقت بطيء، البيت قائم بتفاصيله اليومية كالمعتاد، لكن ينقصه شيء.
وبعدها؛ تخرج الغربة من صمت البيوت إلى فضاء مفتوح. تعلنها عفاف راضي بكلمات عبدالرحيم منصور مدوية: «كله في المواني».. الميناء، مسرح الغياب، فيه تتلاقى الأيدي ثم تتفارق، تختلط الدموع بالابتسامات. الميناء ليس مجرد مكان، بل لحظة مكثفة يجتمع فيها اللقاء والوداع معًا، يتجاور شوق المسافر مع دمعة المودع، ويتحول الرصيف إلى مساحة تختصر المسافة كلها.
«طب قولِّنا».. يهمس علي الحجار بكلمات عبدالرحيم منصور: «طب قولِّنا لما انت ناوي عالسفر»، ليس من باب الشكوى أو الاعتراض، بل المطالبة بحق بسيط: كلمة وداع قبل الرحيل، فالبيتيا.. «حبيبي يا متغرب»، كما عبَّرت فايزة أحمد بكلمات منصور أيضًا، صار يعيش على وعدٍ لا على حضور، وعد الرسائل الورقية التي تستغرق أسابيع للوصول، «بتسافر الجوابات مليانة بالحنين»، مفعمة بكلمات تحاول أن تملأ فراغ الكرسي الخالي، بلا جدوى.
ويبلغ مسار الغربة ذروته الأكثر عمقًا، كما يقول شريف طه، مع «الطير المسافر»، بكلمات محمد حمزة وغناء نجاة.. «وبعتنا مع الطير المسافر جواب وعتاب وتراب من أرض أجدادي.. وزهرة من الوادي». هنا لا تُرسل رسالة عاطفية فقط، بل تُحمل مع الطير ذاكرةٌ كاملة. هنا لم تعد الغربة فراق شخص بعينه، بل احتمال انقطاع عن الجذور نفسها. لذا فإن المطلب ليس عودة جسد، بل استعادة ذاكرة، لمقاومة النسيان.
ويرصد الكاتب كيف تتحول الجملة البسيطة عند بليغ إلى لحن، كما في «والنبي وحشتنا»، بكلمات سيد مرسي وغناء شادية، دون فلسفة أو رمزية، إنما هو الاشتياق الصافي في لحظة العودة، وفيها يتحول الغياب إلى ضحكة تختلط بدمعة. وكيف يُغنِّي المغترب نفسه تجربته، في «سلامات يا حبايب»، بكلمات سيد مرسي وغناء محرم فؤاد، دون أن يأتي اللحن حزينًا بل مفعمًا بالحركة والبهجة، كأن الغناء ليس بكاءً على الوطن، بل طريقة للاحتفاظ به حيًّا. وكيف يبدو الحنين كهوية، في «حنين»، كلمات عبدالوهاب محمد وغناء وردة، لتختصر جملة واحدة المعنى كله: «والغربة توهتني لكن ما غربتني عنك طول السنين».. فالجسد قد يبتعد، لكن الانتماء لا يغيب. الغربة تُربك الطريق، لكنها لا تمحو الأصل.
ويتجه بليغ إلى التعبير عن الغربة من الداخل؛ غربته هو ذاته، بموسيقاه، وكلماته، في أغنيتين مختلفتين.
الأولى هي «القمر مسافر» التي لحَّنها وغنَّاها في فترة ابتعاده عن مصر، بينما كانت معنوياته مثقلة بتجربة قاسية أثرت في مساره الشخصي والفني، فبدت صرخته «دقيت على الأبواب قالوا كفاية» صدى لحالة اغتراب عاشها. لم تعد الغربة موضوعًا يُلحنه ويغنيه من الخارج، إنما من جرح شخصي صامت.
لكن الجرح لا يقود إلى قطيعة، لذا فقد جاءت أغنيته الثانية: «رغم البعد عنِّك»، التي أرسلها إلى عفاف راضي لتغنيها في احتفال أكتوبر، ليتحول الاغتراب إلى خطاب مباشر للوطن: «رغم البعد عنِّك/ عمري ما أنسى إنِّك/ أمي وإني ابنك».. ففي الأولى غنَّى بليغ اغترابه، وفي الثانية غنَّى انتماءه.
ويتساءل شريف طه: لماذا ما زالت أغاني بليغ حمدي عن الغربة صالحة في زمن السوشيال ميديا؟ ويجيب قائلًا إنه عبر رحلته من توسلات «خليك هنا» إلى مقاومة النسيان في «الطير المسافر» وثَّق تحولات الروح المصرية وهي تواجه العالم الواسع. قد تتغير الموانئ إلى صالات مطارات، وتتحول الرسائل إلى مكالمات فيديو، لكن المسافة بين قلبين تظل كما هي.
اليوم، كما يقول، لا نحتاج الطير المسافر!.. تكفينا شبكة الإنترنت. الرسالة تصل في ثانية، والصوت مباشر، والصورة واضحة. ومع ذلك، لم تختفِ الغربة.. المسافة صارت أقصر على الشاشة.. وأطول في الإحساس.. ربما لهذا تبدو ألحان بليغ صالحة لكل زمان؛ لأنها لا تتحدث عن وسيلة التواصل بل عن الفقد.. لم يلحن بليغ السفر، بل كان يلحن الحنين.
أخيرًا.. بعد أن تشربتُ بالجمال والمتعة إثر قراءة هذا النص الرصين، الرقيق، للكاتب شريف طه، وجدتني أغيب في شرودي، أتلفَّتُ حولي؛ مَن أعرفهم من جيل الشباب يحلمون جميعًا بالسفر، يتمنون الغربة، يرون أرض الأحلام في أماكن شتى، بعيدة. لا ألومهم على هذا. لا أنتقدهم. لا أحجر على حريتهم. لكنني خائف.
خائفٌ من الغد. لا أعرف كيف سيغني هذا الجيل - بعد زمنٍ- غربته. هل سيغني من الأصل؟! هل سيحتفظ بذاكرته؟! هل سيجذبه الحنين؟! هل سيقاوم النسيان كما «الطير المسافر»؟! هل هل هل...؟! لا أعرف.. أغرق في الخوف!