في خطوة تعكس الوعي المتنامي بأهمية التكامل بين العلوم والتخصصات المختلفة، نجحت الأكاديمية الدولية للهندسة وعلوم الإعلام في تنظيم المؤتمر العلمي الأول للدراسات البينية، الذي عُقد تحت عنوان: "الذكاء الاصطناعي ووظائف المستقبل: رؤية استشرافية"، الذي أقيم في منتصف مايو الحالي، بمشاركة نخبة متميزة من الأساتذة والباحثين والنقابيين والخبراء في مجالات الإعلام والهندسة والإدارة والتكنولوجيا والاقتصاد. وجاء المؤتمر ليؤكد أن المستقبل لم يعد قائمًا على التخصص المنعزل، بل على التفاعل الخلاق بين العلوم والمعارف لمواجهة تحديات العصر الرقمي المتسارع.
انعقد المؤتمر تحت رعاية عبدالفتاح الجبالي، رئيس مدينة الإنتاج الإعلامي، وبرئاسة الدكتور عادل عبدالغفار، مدير الأكاديمية الدولية للهندسة وعلوم الإعلام، في إطار رؤية طموحة تسعى إلى بناء جسور حقيقية بين مجالات المعرفة المختلفة، وإعادة صياغة العلاقة بين التكنولوجيا والإنسان وسوق العمل.
وشهد المؤتمر حضورًا علميًا وفكريًا لافتًا، حيث تولى الأمانة العامة للمؤتمر الدكاترة طارق حسنين، وخالد عبد الجواد، ونيفين بدوي، الذين نجحوا في تقديم نموذج تنظيمي وعلمي متميز، اتسم بالدقة والتنوع وثراء المناقشات.
وعلى مدار الجلسات العلمية وورش العمل المتخصصة، ناقش المؤتمر عددًا من القضايا الحيوية المرتبطة بتطبيقات الذكاء الاصطناعي وتأثيرها على وظائف المستقبل في مختلف القطاعات، سواء في الإعلام أو الصناعة أو التعليم أو الإدارة أو الاقتصاد الرقمي. وقد اتسمت المناقشات بالعمق والواقعية، حيث لم تتوقف عند حدود الانبهار بالتكنولوجيا، بل طرحت أسئلة جوهرية حول كيفية توظيف الذكاء الاصطناعي لخدمة الإنسان والتنمية، مع الحفاظ على الهوية الوطنية والقيم المهنية والأخلاقية.
ومن أبرز ما ميز المؤتمر أنه لم يتعامل مع الذكاء الاصطناعي باعتباره مجرد أداة تقنية حديثة، وإنما باعتباره تحولًا هيكليًا طويل المدى، سيعيد تشكيل الاقتصاد العالمي وأنماط العمل والإنتاج والإدارة والتعليم خلال السنوات المقبلة. لذلك جاءت التوصيات النهائية للمؤتمر معبرة عن رؤية استراتيجية شاملة، تؤكد ضرورة بناء قاعدة إنتاجية وتكنولوجية وطنية قادرة على استيعاب التحولات الرقمية، وعدم الاكتفاء بالاستهلاك التقني أو استيراد الحلول الجاهزة.
كما شددت التوصيات على أهمية ربط التحول الرقمي بالأهداف الوطنية للتنمية المستدامة، بما يضمن تحقيق الاستفادة القصوى من تقنيات الذكاء الاصطناعي في دعم الاقتصاد الوطني وتحسين جودة الخدمات العامة ورفع كفاءة المؤسسات التعليمية والإعلامية والإدارية. وأكد المشاركون أن المرحلة المقبلة تتطلب إعداد كوادر بشرية تمتلك القدرة على التفاعل مع التكنولوجيا الحديثة، وتستطيع الجمع بين المهارات التقنية والوعي الإنساني والثقافي.
ونجح المؤتمر في خلق مساحة حوار حقيقية بين الأكاديميين والخبراء والممارسين، وهو ما منح جلساته طابعًا عمليًا وتطبيقيًا بعيدًا عن الطرح النظري التقليدي. كما عكس الحدث إدراكًا متقدمًا لأهمية الدراسات البينية باعتبارها المدخل الأهم لفهم التحولات الكبرى التي يشهدها العالم اليوم.
إن نجاح المؤتمر العلمي الأول للدراسات البينية لا يمثل فقط نجاحًا تنظيميًا أو أكاديميًا، بل يعكس تحولًا فكريًا مهمًا في طريقة التعامل مع المستقبل، ويؤكد أن بناء الإنسان القادر على فهم التكنولوجيا وتوجيهها أصبح ضرورة وطنية لا رفاهية معرفية.
لقد قدمت الأكاديمية الدولية للهندسة وعلوم الإعلام نموذجًا جادًا لمؤتمر علمي يربط بين الفكر والتطبيق، وبين الحاضر والمستقبل، ويضع الذكاء الاصطناعي في مكانه الصحيح كأداة للتنمية وصناعة المستقبل، لا مجرد موجة تقنية عابرة.