تظل سفارات المعرفة التي تنشرها مكتبة الإسكندرية في مصر، خصوصًا في الجامعات، مثيرة لعلامات استفهام عدة، حول ما حققته هذه السفارات لطالبي المعرفة، في زمن تدفق معلوماتي، عبر وسائط إلكترونية، ومواقع وأدوات بحثية، آخرها ـ في حدود علمي ـ الذكاء الاصطناعي.
وإذا كانت فكرة "العدالة الثقافية" طُرِحَت على أكثر من صعيد، وعبر وزراء الثقافة في الفترة الأخيرة، فإن المكتبة، فيما يرى كبير الباحثين في مكتبة الإسكندرية د. سامح فوزي، تضع في تصورها هذه العدالة المنشودة، أقله على المستوى الجغرافي، وبأبعاد ثقافية متنوعة.. والأصل في سفارات المعرفة التي أسسها المدير الأول للمكتبة د. إسماعيل سراج الدين، أن تصل المكتبة من موقعها في الثغر لأكثر الأماكن في مصر، من جامعات ومؤسسات.. وكذلك خارج مصر، فهي باتت موجودة بالمركز الثقافي في واشنطن بالولايات المتحدة، وبالمركز الثقافي في برلين بألمانيا، وتسعى للتمدد إلى المراكز المصرية المماثلة في روما وباريس وكندا.
وتبدو السفارات وكأنها موجة إذاعية بندائها القديم.. "هنا..".. وفي هذه المرة "هنا الإسكندرية".
والعين لا تخطئ ملاحظة أن مدير المكتبة د. أحمد زايد، يعمل بمنطق التراكم، واستكمال إنجاز من سبقوه، الوصل لا القطع، فتوسع في مشروع "سفارات المعرفة" إلى أن وصل عددها إلى 32 سفارة حتى الآن.
وبالتالي فإنه بخلاف دورها الأكاديمي فإن المكتبة تحقق نوعًا من أنواع الانتشار والعدالة، عبر إتاحة نافذة للمعرفة والمعلومات الغزيرة التي تملكها.. وبخلاف المادة الثقافية الموجودة في سفارة المعرفة، فإنها تمكن المتعاملين معها والراغبين في متابعة ـ عبر المشاهدة والمداخلات ـ أنشطة مكتبة الإسكندرية طوال الوقت.
وفي نظرة سريعة، فإن طلاب الجامعات هم الأكثر استفادة من هذه السفارات، ويلاحظ المشرف على سفارات المعرفة، العميد الأسبق لكلية الآداب جامعة الإسكندرية د.أشرف فراج، أن مكتبة الإسكندرية بوضعها كمؤسسة دولية، واحتوائها على ملايين المراجع العلمية والدوريات والكتب، قديمها وجديدها، المتوافر منها ربما في أماكن أخرى، أو النادر، تتيح هذه المادة على ضخامتها، وبشكل مباشر، للباحثين من خارج الإسكندرية، في القاهرة، مدن القناة، والصعيد، وغيرها. من حيث أن المقيمين بالإسكندرية أو الذين يزورونها بسهولة، يدخلون المكتبة، ويحصلون على مبتغاهم من القديم والحديث، في شتى العلوم والفنون والمعارف.
بدأت سفارات المعرفة كفروع إلكترونية لمكتبة الإسكندرية في المحافظات، وفي البداية كانت الجامعات، والتي حُسمت منذ أيام د. سراج الدين.
فقد كان البعض يطرح فكرة إقامتها في داخل المكتبات العامة في كل محافظة. والذي حسم الأمر، هو البحث العلمي المستهدف، والذي يتواجد ويُطلب أكثر في الجامعات.. فكانت الجامعات، والذي يحدث يبدأ باتفاق بين المكتبة والجامعة الحكومية، الأهلية، والدولية، لتأسيس "سفارة المعرفة".. وتقوم المكتبة بتأسيسها بجميع الأجهزة والمعدات، وإتاحتها مجانًا، ودعمها بعاملين من المكتبة.
وتقدم السفارة الخدمة ـ حسب د.فراج ـ للباحثين وأعضاء هيئة التدريس وطلاب الجامعة، ولكل من يسمح له نظام الجامعة بارتياد الحرم الجامعي، من طلبة مدارس، أعضاء نوادي، وزائرين.. ببساطة تتلخص فكرة سفارات المعرفة في أن تذهب مكتبة الإسكندرية للباحث، والمهتم بالشأن الفكري والثقافي، ومحب العلوم والمعارف.. وتقدم له المعلومة التي يبحث عنها... وبالمجان.
الفكرة الممتازة التي تقدمها مكتبة الإسكندرية في حاجة قطعًا إلى دراسة النتائج المتحققة منها حتى الآن، وبالأرقام والنسب المئوية ومعرفة نقاط الإقبال ومواعيدها، وألوانها، والمواد الأكثر جاذبية..
وأظن أن المكتبة لديها مثل هذه الإحصاءات.. وقد أبلغني د. فراج أن هناك إقبالاً كبيرًا على سفارات المعرفة من قبل الباحثين، ولكنه استثنائي وغير عادي، في جامعات الصعيد، وهذه الملاحظة تستحق الدراسة قبل الإشادة..
وليس كل من يدخل سفارات المعرفة طالب بحث علمي، هناك الفضول، أيضًا، والزيارة للمعرفة للشغوفين، والاطلاع على الأرشيف، والذي تزخر به المكتبة، مثل أرشيف الصحافة المصرية، والأرشيف الملكي، والرئاسي لرؤساء مصر بالمستندات والصور والوثائق، كنوز المكتبة من الكتب النادرة، ومتاحف القادة والزعماء (الأرشيف الرقمي لجمال عبدالناصر، والمقتنيات التاريخية والشخصية لأنور السادات)... والآثار ومنها الآثار الغارقة والتي تم انتشالها من البحر المتوسط... وغير ذلك..
ولقد وجدت ثناءً عامًا خصوصًا من الجامعيين والباحثين على فكرة سفارات المعرفة، منذ بدأ تنفيذ العمل بها، في سنة 2014، وأذكر وصف د. شادن معاوية محمود، وكانت قائمة بعمل رئيس جامعة السادات، حين وقعت مع د. زايد بروتوكول إقامة سفارة معرفة بجامعتها، بأنها "الفكرة العبقرية"، التي تتبناها المكتبة "لتكون منارة للثقافة والمعرفة في جميع ربوع مصر".