عندما بدأت السينما في مصر، لم يكن لمرتاديها لباس خاص، وربما كانت في حينها فنًا موجهًا لنوعية معينة من الجمهور، لكن لم تُسنّ قوانين أو لوائح تحدد الزي المسموح به للدخول. حتى المهرجانات السينمائية لم يكن لها زي محدد، بل نحن من وضعنا قواعد خاصة بالملابس عندما أثار الفنان حسين فهمي، في رئاسته الأولى لمهرجان القاهرة السينمائي، أزمة الدخول بـ"السموكن"، ولا يزال يرى أنه تقليد يجب التمسك به.
في دول الخليج بدأت السينما والمهرجانات متأخرة بعض الشيء، لكنها لم تفرض قيودًا على جمهورها؛ فقد تجد جاكي شان أو سيلفستر ستالون أو روبرت دي نيرو ببدلات كلاسيكية أنيقة يقفون بجوار مخرج خليجي يرتدي جلبابًا أبيض أنيقًا ويضع الغترة البيضاء على رأسه، وهو ما يعكس فخر أبناء كل بلد بزيهم التقليدي.
إن منع ثلاثة أشخاص يرتدون الجلباب الصعيدي من دخول فيلم "أسد" في دار سينما ملحقة بأحد الفنادق يُعد جهلًا بتاريخ وحضارة المصريين.
فالجلباب لم يكن مجرد لباس يومي، بل كان يعكس أحيانًا المكانة الاجتماعية والانتماء العائلي أو القبلي. فاختيار نوع القماش وجودته وطريقة التفصيل قد يشير إلى الوضع الاقتصادي لصاحبه، كما أن بعض أشكال العمائم كانت تحمل دلالات اجتماعية معروفة داخل المجتمع الصعيدي.
وفي المناسبات الاجتماعية، مثل الأفراح والمجالس الشعبية، يظهر الجلباب بوصفه رمزًا للأصالة والوقار، حيث يحرص كثير من الرجال على ارتدائه تعبيرًا عن الاعتزاز بالتراث.
ورغم انتشار الملابس العصرية، ما زال الجلباب الصعيدي حاضرًا بقوة في قرى ومدن الصعيد، خاصة بين كبار السن والعاملين في الزراعة والتجارة. كما أصبح عنصرًا مهمًا في الأعمال الفنية والدرامية التي تتناول الحياة الصعيدية، مما ساهم في ترسيخه داخل الذاكرة الشعبية المصرية.
وفي السنوات الأخيرة، حاول بعض مصممي الأزياء تطوير الجلباب التقليدي بإضافة لمسات حديثة تحافظ على روحه التراثية وتجعله أكثر ملاءمة للأذواق المعاصرة.
وقد ينفق أبناء الصعيد، وخاصة المتعلمين الحاصلين على درجات علمية عالية من مهندسين وأطباء ومدرسين ونواب، آلاف الجنيهات على نوع معين من القماش لتفصيل جلباب يليق بهم في المناسبات. وكان نواب مجلس الشعب يُسمح لهم، ولا يزال، بدخول المجلس بالزي التقليدي "الجلابية". ولا تزال الجلابية الصعيدية هي الزي الرسمي لكثير من نواب الصعيد والفلاحين في مجلسي الشورى والنواب، ولا يجوز منع من يرتديها من الدخول، لأن ذلك يُعد إساءة وتمييزًا ضد الزي التقليدي.
فمن غير المقبول أن يُمنع شخص يرتدي زيه الرسمي من حضور مناسبة أو دخول مسرح أو دار عرض، في حين أن أبناء الخليج يحضرون العروض الفنية بزيهم التقليدي بكل فخر واحترام.
وفيلم "أسد" تجربة مهمة تمثل مرحلة خاصة، ليس فقط لصناعة السينما، بل للسينما المصرية عمومًا. وبعيدًا عن التهويل أو المبالغة في تفسير أهداف الفيلم، فهو محاولة لتقديم عمل تاريخي بفكرة مختلفة، تدور حول "أسد"، العبد الذي يحمل روحًا صلبة متمردة، ويركز العمل على رحلته بعد أن يشعل حبٌ ممنوعٌ بينه وبين امرأة حرة شرارة المواجهة مع أسياده. وعندما يُسلب من أسد أثمن ما يملك، يتحول التحدي الصامت إلى غضب عارم.
كما أن محمد رمضان خرج في هذا العمل من الأداء التقليدي، فلم يقدم سينما البلطجة التي اتُّهم بها، ولا الأغاني الشعبية، بل قدم عملًا يستحق المشاهدة، بالتعاون مع مؤلف ومخرج عُرفا بفكرهما الناضج والملتزم، والساعي إلى تقديم رسالة تؤكد أن السينما ليست مجرد وسيلة للترفيه، بل أداة لإعمال الفكر والعقل والبحث في الهوية.