هل يولد محور أوراسي جديد في الشرق الأوسط يضم إيران؟

18-5-2026 | 15:23

تستضيف بكين غدا وبعد غدٍ (19 و20 مايو 2026)، قمة بين الرئيس الصيني شي جين بينج ونظيره الروسي فلاديمير بوتين. وتأتي هذه القمة بعد ساعات قليلة من مغادرة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب للعاصمة الصينية، وكأن بكين أرادت أن توجه رسالة واضحة مفادها أن العالم الذي عاش ثلاثة عقود تحت الهيمنة الأمريكية المطلقة بدأ يتغير، وأن النظام الدولي لم يعد حكرًا على قطب واحد.

الحرب في أوكرانيا تحولت إلى مواجهة استنزاف طويلة بين روسيا والغرب، والتوتر بين واشنطن وبكين يتصاعد حول التجارة والتكنولوجيا وتايوان، بينما عاد الشرق الأوسط إلى حالة الغليان مع تصاعد المواجهة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من ناحية وإيران من ناحية أخرى.

وفي هذا السياق، لم تعد العلاقات الصينية–الروسية مجرد شراكة سياسية عادية، بل أخذت تتطور نحو ما يشبه "المحور الأوراسي المرن"، الذي تسعى فيه بكين وموسكو إلى بناء توازن دولي جديد يقلص من الهيمنة الأمريكية على العالم، وتبدو إيران جزءًا أساسيًا فيه.

الصين تدخل هذا الترتيب باعتبارها "العقل" أو القوة الاقتصادية والتكنولوجية الصاعدة. فبكين لا تنظر إلى الشرق الأوسط فقط كمصدر للطاقة، وإنما كجزء حيوي من مشروعها العالمي الأكبر "الحزام والطريق". ولذلك بدأت تبني، بهدوء، نظامًا موازيًا للعالم الذي تقوده الولايات المتحدة يشمل اليوان الرقمي، وشبكات الدفع البديلة، والاستثمارات الممتدة من آسيا إلى أفريقيا، وكلها أدوات لبناء نفوذ صيني عالمي طويل المدى.

لكن بكين، رغم قوتها الاقتصادية، لا تريد مواجهة عسكرية مباشرة مع واشنطن، ولذلك تحتاج إلى شريك يمتلك "العضلات" أو القوة الصلبة والقدرة على الاشتباك مع الغرب، وهنا تأتي روسيا. فموسكو بوتين تنظر إلى الحرب الأوكرانية باعتبارها صراعًا على مكانتها الدولية، وترى أن الشرق الأوسط يمثل ساحة إضافية لاستنزاف الولايات المتحدة وتشتيت مواردها. فكل أزمة جديدة في الخليج تعني ضغطًا أكبر على واشنطن، وكل تصعيد مع إيران يخفف من التركيز الأمريكي على أوروبا الشرقية. ومن هنا بدأت موسكو تنظر إلى طهران باعتبارها "خط دفاع متقدم" عن المجال الأوراسي في الجنوب.

أما إيران، فهي العنصر الأكثر حساسية في هذا المحور الناشئ. فطهران لا تملك فقط موقعًا جغرافيًا يتحكم في الخليج العربي ومضيق هرمز، بل تمتلك أيضًا شبكة نفوذ ممتدة في العراق وسوريا ولبنان واليمن، بما يجعلها قادرة على ممارسة ضغط مباشر على المصالح الأمريكية والإسرائيلية في المنطقة.

وبالنسبة إلى الصين وروسيا، فإن إيران تؤدي وظيفة لا يستطيعان القيام بها مباشرة، وهي الاشتباك الميداني في قلب الشرق الأوسط. ولهذا أصبحت طهران بالنسبة إلى بكين بوابة للممرات البحرية والتجارية والطاقة، وبالنسبة إلى موسكو خط دفاع جيوسياسي، بينما ترى إيران في هذا التقارب مع بكين وموسكو فرصة للخروج من العزلة الغربية الطويلة.

لكن اللافت أن هذا المحور الأوراسي الصاعد، بين بكين وموسكو وطهران، لا يشبه الأحلاف التقليدية التي عرفها القرن العشرون. فلا توجد معاهدة دفاع مشترك، ولا قيادة موحدة، ولا أيديولوجيا جامعة، وإنما شبكة مصالح متشابكة تجمع بين الاقتصاد الصيني، والقوة العسكرية الروسية، والنفوذ الإقليمي الإيراني.

وربما تكمن قوة هذا المحور في مرونته. فالصين توفر الاقتصاد والتكنولوجيا والأسواق، وروسيا توفر الردع العسكري والغطاء السياسي، بينما توفر إيران الجغرافيا الحساسة والنفوذ الميداني.

ومع ذلك، فإن هذا الترتيب لا يخلو من التناقضات. فالصين تريد الاستقرار لحماية تجارتها العالمية، بينما ترى روسيا في الأزمات وسيلة لإضعاف الغرب. أما إيران، فتنظر إلى صراعها مع الولايات المتحدة وإسرائيل باعتباره قضية وجودية.

كما تدرك موسكو أنها تتحول تدريجيًا إلى "شريك أصغر" أمام القوة الاقتصادية الصينية، بينما تخشى طهران أن تتحول في أي لحظة إلى ورقة تفاوض في صفقة كبرى بين واشنطن وكل من بكين أو موسكو.

وفي العمق، فإن ما يجري اليوم يتجاوز الشرق الأوسط نفسه؛ فالعالم يشهد صراعًا على التكنولوجيا والطاقة والممرات البحرية وسلاسل الإمداد العالمية. ومن هنا، فإن الربط بين "الحزام والطريق" الصيني وممر "شمال-جنوب" الروسي-الإيراني يمثل محاولة لإعادة رسم خريطة الاقتصاد العالمي بعيدًا عن الهيمنة الغربية.

ولهذا، فإن التحركات الصينية والروسية والإيرانية في السودان وليبيا وإثيوبيا والبحر الأحمر ليست تحركات منفصلة، بل جزء من صراع أوسع على النفوذ العالمي.

وفي تقديري، فإن ما شهدته بكين في الأسبوع الثالث من مايو 2026 من قمتين صينية أمريكية، ثم صينية روسية هو إشارة قوية على أن الشرق الأوسط عاد مرة أخرى إلى قلب الصراع الدولي، وأن العالم ربما يشهد بداية تشكل محور أوراسي جديد، لا يقوم على الأيديولوجيا بقدر ما يقوم على المصالح والخوف المشترك من استمرار الهيمنة الأمريكية.

رئيس وحدة العلاقات الدولية وبرنامج دراسات الطاقة في مركز الأهرام للدراسات السياسية والإستراتيجية وزميل كلية الدفاع الوطني في الأكاديمية العسكرية للدراسات العليا والإستراتيجية

كلمات البحث
اقرأ أيضًا: