هل يمكن للذكاء الاصطناعي التنبؤ بمتاعب القلب؟

18-5-2026 | 14:08

   في السنوات الأخيرة، دخل الذكاء الاصطناعي بقوة إلى عالم الطب، ليس فقط للمساعدة في التشخيص، بل أيضًا للتنبؤ بالأمراض قبل حدوثها، ليس بعام أو عامين، بل ربما خمسة أعوام!!

   قد يذهب شخص إلى الطبيب لإجراء فحص روتيني عادي، وهو بصحة جيدة، ثم يخبره النظام الطبي المعتمد على الذكاء الاصطناعي بأن لديه احتمالاً مرتفعًا للإصابة بنوبة قلبية بعد خمس سنوات، رغم أنه يشعر بصحة ممتازة ولا يعاني من أعراض واضحة!!
 
   قبل سنوات كان هذا التصور ينتمي إلى أفلام الخيال العلمي، أما اليوم فقد أصبح الذكاء الاصطناعي يقترب بالفعل من هذه القدرة المدهشة.

   تعتمد الفكرة على ما يُعرف بـ"خوارزميات التنبؤ"، وهي برامج ذكية تستطيع تحليل كميات هائلة من البيانات الطبية واكتشاف أنماط خفية قد لا يلاحظها الأطباء بسهولة.

   فعندما يزور المريض المستشفى، يتم تسجيل معلومات كثيرة عنه: ضغط الدم، معدل ضربات القلب، نتائج التحاليل، نسبة الكوليسترول، الوزن، العمر، التاريخ العائلي، وحتى النشاط البدني. قد تبدو هذه الأرقام متفرقة، لكن إذا تم إدخال هذه البيانات في برامج الذكاء الاصطناعي يحاول بسهولة ربطها معا وفهمها.

   ما يحدث ببساطة أنه من خلال هذه "الخوارزميات الحديثة" يتم مقارنة بيانات شخص واحد بملايين الحالات السابقة. فإذا تكررت مجموعة معينة من المؤشرات لدى أشخاص أصيبوا لاحقًا بأزمات قلبية، فإنها ترفع مستوى التحذير مبكرًا.
 
   ومن أبرز الجهات العلمية التي تعمل على هذا النوع من التقنيات مستشفى مايو كلينك، إحدى أشهر المؤسسات الطبية في العالم. فقد طور باحثوها أنظمة ذكاء اصطناعي تستطيع تحليل تخطيط القلب واكتشاف مؤشرات مبكرة لمشكلات خطيرة في القلب بطرق تتجاوز قدرة الإنسان التقليدية، حتى لدى أشخاص لا تظهر عليهم أعراض واضحة. 

   كما تجري أبحاث متقدمة داخل جامعة ستانفورد، التي تُعد من المؤسسات الرائدة عالميًا في مجال "الطب التنبؤي"، أي استخدام التكنولوجيا للتنبؤ بالأمراض قبل ظهور أعراضها، حيث يعمل العلماء على استخدام الذكاء الاصطناعي للتنبؤ باضطرابات خطيرة في نظم القلب قد تؤدي إلى الوفاة المفاجئة بعد سنوات من الإصابة بأزمات قلبية.
 
   وفي الكلية الملكية للرعاية الصحية في بريطانيا بدأت تجارب على نظام يُعرف باسم "Aire"، وهو أداة ذكاء اصطناعي تستطيع تحليل رسم القلب والتنبؤ بمخاطر الإصابة بأمراض قلب قاتلة خلال السنوات المقبلة.
 
   لكن التساؤل الذى يفرض نفسه، هل يعني هذا أن الذكاء الاصطناعي يمكنه معرفة "موعد" النوبة القلبية بدقة؟ الإجابة بالنفي، على الأقل حتى الآن على لسان علماء جامعة ستانفورد.. ولماذا الإجابة بالنفي، لأن الطب ليس معادلة رياضية ثابتة، وجسم الإنسان يتأثر بعوامل كثيرة ومتغيرة مثل التوتر، والغذاء، والتدخين، والرياضة، وحتى الحالة النفسية. لذلك فإن الذكاء الاصطناعي لا يقدم نبوءة مؤكدة، بل يعطي تقديرًا لاحتمالات الخطر اعتمادًا على البيانات المتاحة.

   ورغم ذلك، تبقى الفائدة هائلة. فبدلاً من انتظار ظهور الأعراض الخطيرة، يمكن للطبيب التدخل مبكرًا عبر تعديل نمط الحياة أو وصف أدوية تقلل من احتمالات الإصابة. وهذا قد ينقذ حياة آلاف الأشخاص سنويًا، خاصة أن أمراض القلب لا تزال من أكثر أسباب الوفاة انتشارًا حول العالم.

   لكن، هناك أيضًا تساؤلات أكثر خطورة وأهمية. فماذا لو كانت البيانات الطبية غير دقيقة؟ وهل يمكن أن تخطئ هذه "الخوارزمية" وتثير خوف شخص سليم فتنقلب حياته رأسًا على عقب انتظارًا لأزمة صحية قد لا تأتي؟ ثم ماذا عن الخصوصية، ومن يضمن ألا يصل أحد إلى هذه المعلومات الحساسة؟
   لهذا يؤكد الخبراء أن الذكاء الاصطناعي لن يحل محل الطبيب، بل سيكون أداة مساعدة قوية بين يديه. فالقرار النهائي سيظل بحاجة إلى الخبرة البشرية والفهم الشامل لحالة المريض.

   خلاصة القول، من المؤكد أن المستقبل الطبي يتجه نحو الوقاية المبكرة بدلا من انتظار المرض. وفي هذا المستقبل، قد يصبح الذكاء الاصطناعي حارسًا صحيًا صامتًا، يراقب المؤشرات الخفية لقلبك وجسمك وينبهك قبل فوات الأوان.

كلمات البحث