في كرة القدم، كما في الحياة عمومًا، لا تُقاس قيمة المدير (الفني) فقط بما يفعله في أوقات الانتصار، بل بما يملكه من شجاعة وثبات في الأوقات الصعبة، حين يصبح الحد الفاصل بين المجد والانهيار مجرد تفاصيل صغيرة، كقرار متردد، أو تراجع غير مفهوم، أو خوف يتسلل إلى القلوب، ليهدد أحلام فريق كان قبل أيام قليلة فقط يركض بثقة نحو القمة.
وللأمانة، لا يمكن الحديث عن موسم الزمالك الحالي دون الاعتراف بأن الفريق قدم واحدًا من أكثر مواسمه احترامًا في السنوات الأخيرة، خاصة إذا ما وُضعت الظروف المحيطة به في الاعتبار.
أزمات مالية متلاحقة، وضغوط إدارية، وعدم استقرار عاشه نادي الزمالك خلال الفترة الماضية، ورغم ذلك وجد فريق الكرة - الحلقة الأهم في منظومة النادي- نفسه قبل أيام قليلة ينافس على بطولتين دفعة واحدة؛ يتصدر الدوري قبل جولة من النهاية، ويصل إلى نهائي الكونفدرالية الإفريقية، وكأن الفريق يرفض الاستسلام لفكرة أن الظروف وحدها تصنع النتائج.
وفي قلب هذه الرحلة، كان معتمد جمال يستحق قدرًا كبيرًا من الإشادة، فالرجل تولى المهمة في ظروف معقدة، وأعاد للفريق جزءًا كبيرًا من شخصيته المفقودة، ونجح في خلق حالة من الالتزام والانضباط الفني، بل إن الزمالك في كثير من المباريات لعب بروح جماعية افتقدها منذ سنوات.
لكن المشكلة أن كل ما يُبنى خلال شهور طويلة قد يسقط في لحظات قليلة، عندما يتسلل الخوف إلى العقل، ويسيطر التردد على القرارات. وهنا تحديدًا بدأت خطايا معتمد جمال، ففي المراحل الأخيرة من الموسم، بدا الزمالك وكأنه فريق فقد شجاعته تدريجيًا، وفقد معها مدربه قدرته على إدارة اللحظات الكبرى بنفس الجرأة التي أوصلته على مشارف منصات التتويج، فالقرارات أصبحت أكثر تحفظًا، وردود الأفعال أكثر ارتباكًا، وكأن الهدف لم يعد الفوز بالبطولات، بل مجرد تجنب خسارتها.
وكانت مباراة الإياب أمام اتحاد العاصمة في نهائي الكونفدرالية المثال الأوضح والأقسى على جماهير نادي الزمالك، ولا سيما تلك التي ملأت جنبات استاد القاهرة عن آخره، وخرجت منه بالحسرة والكسرة، فالزمالك سجل هدفًا مبكرًا في الدقائق الأولى من اللقاء ليعادل مبكرًا نتيجة الذهاب، وهو سيناريو كان يفترض أن يمنح الفريق أفضلية نفسية وفنية هائلة، ويفتح المباراة أمام أصحاب الأرض والجمهور لفرض سيطرتهم على اللقاء، لكن ما حدث كان العكس تمامًا.
تراجع الأبيض بصورة غير مفهومة إلى مناطقه الدفاعية، وكأن المباراة تحولت منذ الدقيقة الأولى إلى محاولة طويلة للبقاء، لا للفوز، اختفى الضغط، تراجع الوسط، وتحوّل الفريق تدريجيًا إلى كتلة دفاعية خائفة تنتظر النهاية، بينما كان اتحاد العاصمة يزداد ثقة وشراسة مع مرور الوقت.
ولعل تصريحات معتمد جمال بعد المباراة، بأن تراجع الأداء بعد الهدف المبكر، سببه خوف اللاعبين من استقبال هدف - قد لا يمكن تعويضه - هو في حد ذاته اتهام للمدير الفني للزمالك، الذي قصر في تهيئة اللاعبين نفسيًا، وتذكيرهم بقيمة ومكانة النادي العريق الذي يمثلونه، فالفرق الكبيرة قد تكسب مباريات بل وبطولات بمجرد خوف المنافس من اسمها، وعلى النقيض قد لا تخسر بسبب نقص الجودة، لكنها كثيرًا ما تسقط بسبب الأيادي والأقدام المرتعشة.
وحين ذهبت المباراة إلى ركلات الترجيح، بدا الأمر وكأن الزمالك كان يمهد لهذه النهاية منذ وقت طويل، نهاية صنعها التردد أكثر مما صنعها المنافس.
الأزمة الحقيقية أن الخسائر قد لا تتوقف عند بطولة واحدة، فالزمالك يدخل بعد أيام مباراته الأخيرة في الدوري أمام سيراميكا كليوباترا، وهو يحمل فوق كتفيه ضغطًا نفسيًا هائلًا، ليس فقط بسبب أهمية اللقاء، بل لأن الفريق أصبح مهددًا بفقدان كل شيء خلال أيام قليلة.
وهنا تكمن قسوة كرة القدم، فالموسم الذي بدا استثنائيًا بكل المقاييس، قد يتحول فجأة إلى موسم كارثي إذا خسر الزمالك لقب الدوري أيضًا، ووقتها لن يتذكر أحد كثيرًا تفاصيل الظروف الصعبة أو الأزمات المالية أو البداية المعقدة، بل سيتذكر الجميع فقط أن فريقًا كان قريبًا جدًا من المجد، ثم ترك الخوف يسحب منه كل شيء.
في النهاية، التاريخ لا يكتبه من حاولوا، بل يكتبه من صمدوا للنهاية، 90 دقيقة فقط متبقية من عمر الموسم أمام سيراميكا كليوباترا، إما أن تكون بوابة معتمد جمال لدخول التاريخ كبطلٍ صمد في أصعب الظروف، أو تكتب النهاية الحزينة لموسمٍ كان يغري بالكمال، لكنه انتهى بمرارة السقوط.