حكايات من الواقع: خريف امرأة!

18-5-2026 | 13:35
حكايات من الواقع خريف امرأةأرشيفية
د. خالد حسن النقيب

عشت حياتي كلها على وتيرة واحدة لا أعرف فيها غير رغبة محمومة تتملكني تدفعني دائماً لتحقيق طموحي في الشهرة والثراء.

موضوعات مقترحة

ربما كان فقر أسرتي وطبيعة الحياة القاسية التي ولدت فيها وراء تقلص أحلامي في تلك الصورة المادية، وحتى هذا لم يكن شاذاً أو غير طبيعي لو أني طرقت مسارات مشروعة لتحقيق ما أصبو إليه من ثراء أو شهرة، ولكن أحلامي أخذتني إلى طرق كثيرة ملتوية وغير مشروعة للوصول إلى ما أرنو إليه، وبالتأكيد لم يكن للأخلاقيات فيها مكان.

قبل أن أخوض في هذا المشوار الطويل بكل أشواكه ومرارته، أريد أن أقول إنني أعيش أيامي الأخيرة بعد أن هرمت وأخذ العمر مني مأخذه، وللأسف لم أعِ أو أتدارك سوء مقصدي إلا بعد فوات الأوان.

ولم أكن أبرر شيئاً من تاريخي وأنا أتحدث عن الوسط الفقير الذي نشأت فيه ولا الحاجة والفاقة اللتان أحاطتا بنا منذ نعومة أظافرنا، ولكن فقط أردت الإشارة إلى بدايات صنعت مني امرأة منحلة لها ماضٍ طويل في جميع فنون الجريمة والاستهتار، كان من الممكن أن تصنع مني -كما صنعت من كثيرين غيري عاشوا في مثل ظروفي وما هو أقسى منها- إنسانة نافعة لبلدها، إيجابية في مجتمعها، لها كيانها واحترامها.

ولكن هذا لم يحدث، فقد كنت ألهث وراء شيطاني وأستغل ذكائي الفطري وما حباني به الله من مسحة جمال وأنوثة في الإيقاع بالرجال واستنزاف أموالهم، وساعدني على ذلك أن حصلت على قدر ليس باليسير من التعليم فقد تخرجت في الجامعة، وكانت أحلامي دائماً تفوق قدراتي.. أتمرد دائماً على حالي وأحاول أن أرسم صورة مغايرة لي أمام الناس عن أسرتي والمجتمع الذي أتيت منه، وكان ضعاف النفوس واللاهثون وراء المتعة الحرام ينطلي عليهم ذلك ويسقطون في شباكي بكل سهولة ويسر واحداً تلو الآخر.

وبالفعل حققت الثراء الذي طالما حلمت به والمكانة الاجتماعية التي أردتها لنفسي، تاجرت في كل شيء بداية من شرفي ولحمي الذي ألقيت به في الوحل، ونهاية بالاتجار في المواد المخدرة واصطياد الشباب والزج بهم في مستنقع الإدمان.

كنت أشعر دائماً بلذة وأنا أرى الرجال يركعون في حيوانية تحت قدمي، ويشعل شيطاني الماكر في صدري نيراناً من الرغبة المحمومة في الاستمرار ويغلفها لي في مظاهر من الزهو والغرور الزائف حتى أوقعتني الأقدار في شر أعمالي.

عشرون عاماً قضيتها في دائرة الخطيئة لا أحفل بشيء غير نفسي، حتى أنني لم أفكر يوماً في الزواج أو تكوين أسرة، كل ما كان يشغلني أن أغبّ من سكر الدنيا وأشبع شهوتي في إخضاع الرجال واستنزاف أموالهم.

أوقعتني الأقدار يوماً في شرك قادني إلى خلف الأسوار، أقضي عقوبة السجن أكثر من خمسة عشر عاماً في قضية مخدرات.

كان من الممكن أن تكون تجربة السجن هذه سبباً لكي أفيق أو أن أقلع عن حياتي هذه، لكنني في السجن تمرست أكثر في الجريمة وتعلمت هناك أشياء ما كان من الممكن أن أعرفها إلا في هذا المكان.

تعرفت في السجن على امرأة كانت هي رفيقتي بعد أن خرجنا من السجن، وطرقت معها أبواباً كثيرة من الجريمة، وفي كل مرة كنت أنجح بمساعدتها، وكما استعدت قوتي وثرائي كسبت هي من ورائي أموالاً طائلة.

وأكلت السنوات بمرور الزمن الجمال والأنوثة وزهوة الشباب.

مضى قطار العمر وماتت رفيقتي وبتّ في خريف أيامي.

أحاط بي المرض وأخذ ينهش في عظامي، وظهر في حياتي من استطاع أن يسقيني من نفس الكأس التي كثيراً ما سقيت منها ضحاياي.

اقتحم حياتي شاب أوهمني بحبه ونجح في فرض سيطرته عليّ حتى أنني أعطيته كل ما أملك طواعية وبلا أي مقاومة.

وفجأة اختفى من حياتي وضاع كل ما تبقى لي من مال في علاجي من الفشل الكلوي الذي يتهدد حياتي بالموت الذي بتّ أتمناه لكي أتخلص من آلام المرض وقسوته.

لقد تجاوزت عقدي السابع، وبعد أن كنت ألهو بالمال ولا أشعر بقيمته، لا أجد اليوم ثمن اللقمة التي أتقوّت بها أو الدواء الذي يخفف عني وطأة المرض، أتسول من الناس في الطرقات وفي المواصلات العامة وأنتظر آخرتي وفي قلبي أمل يائس أن يقبل الله توبتي ويغفر لي.

صدقني أنا لا أشكو قسوة الحياة التي أعيشها، فأنا أفهم أن الله عز وجل قد يكفر بها عن سيئاتي، وأردت من سرد حكايتي أن أكون عبرة لغيري وطمعاً في قلب رحيم يرأف بحالي ويعينني على تخطي الأيام الأخيرة في حياتي.

(م.س)

ترفقي بحالك فإن رحمة الله سبحانه وتعالى تسع كل البشر ولن يعدمها عاصٍ أو مخطئ طالما أخلص التوبة إلى الله، فاستغفري الله تعالى كثيراً على ما اقترفتِ من ذنوب، ويكفيكِ أنكِ كنتِ شجاعة وواجهتِ نفسكِ بحقيقة عصيانكِ حتى لو جاء ذلك متأخراً، وتذكري دائماً أنه {وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ}، أدعو الله تعالى أن يعينكِ في توبتكِ وفي صدقكِ مع نفسكِ، وتذكري قول الله تعالى: {قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا ۚ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ}.

إن الله يغفر الذنب بمجرد التوبة، والتي تعني الندم الشديد على الفعل والإحساس بهذا الندم، والعزم على تركه وعدم تكراره وعدم طرق طريقه مع دوام الاستغفار إلى الله تعالى، ثم إن ما تعانينه من مرض وشظف في العيش -أو كما وصفتِهِ عقوبة دنيوية- ليس الغاية منها تخليص المذنب من ذنبه، بل قد تكون حكمة المولى عز وجل منها هي تطهير نفسكِ وإعدادكِ لكي تغادري الدنيا وقد غفر لكِ وشملتكِ رحمة ربكِ.

ودعيني أذكركِ بقول سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم: "الندم توبة" في رواية الحاكم وابن ماجه.

وأحسبكِ إن شاء الله من النادمين، ولا تنسي أن الله اشترط أن تكون التوبة قبل الغرغرة، وقد ورد في الحديث الشريف: "إن الله يقبل توبة العبد ما لم يغرغر" رواه الترمذي.

اجعلي في قلبكِ يقيناً في رحمة الله ومغفرته، وثقي أنه سيبعث لكِ من يرأف بحالكِ ويعينكِ على خريف العمر ووطأة المرض.

كلمات البحث
اقرأ أيضًا: