هناك لحظات تمر فيها بعض القضايا الاقتصادية من نطاق الأرقام إلى مساحة القلق الحقيقي على المجتمع، ليس لأن الأزمة وقعت بالفعل، بل لأن ملامحها بدأت تُرى بوضوح لمن يراقب المشهد بهدوء. وما أثير مؤخرًا عقب حديث المصرفي البارز هشام عزالعرب الرئيس التنفيذي للبنك التجاري الدولي، خلال مداخلته الإعلامية مع الإعلامي عمرو أديب، لم يكن مجرد جدل عابر حول شركات التمويل غير المصرفي، بل كان أقرب إلى جرس إنذار يدعو إلى إعادة النظر في فلسفة التمويل ذاتها، وحدود التوسع، والفارق بين النمو الصحي والنمو الذي يتحول مع الوقت إلى عبء صامت على الاقتصاد والمجتمع.
فالدول لا تُقاس فقط بحجم ما تضخه من أموال في الأسواق، وإنما بكيفية إدارة هذه الأموال، وإلى أين تذهب، ومن يحصل عليها، وهل تتحول إلى قيمة حقيقية أم إلى التزام مؤجل قد ينفجر في وجه الجميع لاحقًا.
خلال السنوات الأخيرة، نجحت مصر في تحقيق خطوات واسعة في ملف الشمول المالي، وهو ملف بالغ الأهمية للدولة والمجتمع؛ لأنه يمنح ملايين المواطنين فرصة الدخول إلى الاقتصاد الرسمي، والحصول على أدوات تمويل تساعدهم على العمل والإنتاج وتحسين مستوى المعيشة. وقد لعب قطاع التمويل غير المصرفي دورًا مهمًا في هذه المعادلة، خاصة في الوصول إلى شرائح لم تكن البنوك تصل إليها بسهولة.
لكن المشكلة التي تواجه أي قطاع سريع النمو، أنه أحيانًا يسبق قدرته على ضبط نفسه. وهنا تحديدًا تكمن الإشكالية.
فالتمويل في معناه الحقيقي ليس عملية بيع وشراء للأموال، بل مسئولية أخلاقية واقتصادية وإنسانية. المؤسسة التي تمنح تمويلًا لا تمنح أوراقًا نقدية فقط، بل تمنح وعدًا ضمنيًا بأن هذا العميل قادر على حمل هذا الالتزام دون أن يسقط تحته.. وعندما تختل معايير التقييم، يتحول التمويل من وسيلة للحياة إلى بداية لمسار طويل من الضغوط والتعثر.
ولهذا اكتسب حديث الأستاذ هشام عزالعرب أهميته؛ لأنه فتح بابًا ظل لفترة طويلة يُناقش داخل الغرف المغلقة: هل بعض ممارسات التمويل الحالية تسير بالسرعة نفسها التي تتحرك بها قواعد الأمان المالي؟ وهل التوسع في منح التمويلات يتم أحيانًا على حساب جودة التقييم الائتماني واحيانا يتجاهل الـ I-Score؟
في الاقتصادات المستقرة، لا يُنظر إلى معايير إدارة المخاطر باعتبارها أوراقًا تنظيمية أو شعارات تُكتب داخل التقارير السنوية، بل باعتبارها خط الدفاع الأخير عن الاقتصاد والمواطن معًا. فمعايير مثل «بازل 3» لم تُخلق لتعقيد السوق، وإنما جاءت بعد أزمات عالمية دفعت فيها بعض الاقتصادات ثمن التوسع غير المنضبط في الائتمان.
والمعضلة الحقيقية لا تظهر عادة في أوقات الرواج، بل عندما تتباطأ الأسواق، أو تتراجع القدرة الشرائية، أو يفقد الأفراد قدرتهم على السداد. هنا فقط يكتشف الجميع الفرق بين التمويل المسئول والتمويل المتساهل.
الأكثر حساسية في هذا الملف أن الأمر لا يتعلق بمؤسسات مالية فقط، بل بحياة بشرية كاملة.. فخلف كل رقم داخل تقرير ائتماني يوجد أب يحاول الإنفاق على أسرته، أو شاب بدأ مشروعًا صغيرًا بحلم بسيط، أو سيدة تبحث عن مصدر دخل إضافي يحمي بيتها من قسوة الظروف الاقتصادية.. وعندما يحصل هؤلاء على تمويل يفوق قدرتهم الحقيقية على السداد، فإن الأزمة لا تبقى داخل دفاتر الحسابات، بل تنتقل إلى البيوت، وإلى الاستقرار النفسي والاجتماعي للأسرة والمجتمع.
ومن هنا يصبح الحديث عن دقة الاستعلام الائتماني أمرًا مصيريًا، لا إجرائيًا فقط؛ لأن تقييم العميل بصورة جزئية، أو تجاهل التزاماته الأخرى، قد يصنع صورة وهمية عن قدرته المالية.. والنتيجة النهائية ليست مجرد تعثر، بل إنهاك اقتصادي تدريجي لفئات واسعة من المجتمع.
أما في قطاع التمويل متناهي الصغر، فالقضية أكثر عمقًا؛ حيث إن هذا القطاع وُجد أساسًا لخلق فرص إنتاج حقيقية، لا لتحويل التمويل إلى استهلاك مؤقت.. والفارق كبير بين قرض يخلق مشروعًا صغيرًا قادرًا على الاستمرار، وقرض يُستهلك بالكامل ثم يترك صاحبه وحيدًا أمام أقساط لا يملك لها دخلًا ثابتًا.
وفي كثير من التجارب الاقتصادية حول العالم، لم تكن المشكلة يومًا في فكرة التمويل نفسها، بل في اللحظة التي يتحول فيها «الهدف الرقمي» إلى أولوية تتفوق على جودة القرار.. فعندما يصبح المطلوب هو تحقيق أكبر عدد من التمويلات بأي وسيلة، (لمجرد كسب عمولة)، تبدأ المعايير في التراجع تدريجيًا، ويصبح السؤال الأهم ليس: هل يستطيع العميل السداد؟ بل كم ملفًا تم إنجازه هذا الشهر؟
الاقتصاد القوي لا يقوم على تضخيم الأرقام فقط، وإنما على الاستدامة.. والاستدامة تعني أن ينمو السوق دون أن يترك خلفه ملايين الأفراد المثقلين بالديون، أو شركات تواجه محافظ ائتمانية هشة، أو أسر تعيش تحت ضغط مالي مستمر.
وربما يكون الوقت الحالي فرصة مهمة لإعادة ترتيب الأولويات داخل القطاع، ليس من باب التخويف أو الهجوم، وإنما من باب الحرص على نجاح تجربة التمويل غير المصرفي نفسها.. فالسوق المصرية تمتلك إمكانات كبيرة، والدولة تتحرك بوضوح نحو توسيع النشاط الاقتصادي وجذب الاستثمارات وتعزيز الشمول المالي، لكن نجاح أي منظومة مالية لا يتحقق فقط بسرعة التوسع، بل بقدرتها على حماية الإنسان داخلها.
وفي النهاية، تبقى الحقيقة الأهم أن أخطر الأزمات الاقتصادية ليست تلك التي تحدث فجأة، بل تلك التي تنمو ببطء، بينما يظن الجميع أن الأمور تسير بشكل طبيعي.. ولهذا فإن النقاش الصريح والمسئول حول مستقبل التمويل غير المصرفي ليس رفاهية، بل ضرورة لحماية فكرة التمويل نفسها، وضمان أن تبقى وسيلة للبناء والاستقرار، لا بابًا مفتوحًا لأزمة مؤجلة.