مع افتراض حسن النية وسلامة القصد ونبل المبتغى، فإن تحذير الرئيس التنفيذي للبنك التجاري الدولي هشام عزالعرب قبل أيام من تنامي مخاطر التمويل غير المصرفي، الذي تقدمه ما تعرف بشركات التمويل الاستهلاكي، يستحق التوقف عنده والتحوط بشأن تداعياته على الاقتصاد المصري والقطاع المصرفي؛ إذ إنه وفق ما قال يمثل جرس إنذار لحدوث فقاعة مالية في المستقبل، لو استمرت هذه المخاطر دون تدخل أو معالجة أو مراجعة لأداء تلك الشركات التي بلغ عددها، وفق هيئة الرقابة المالية 2532 قدمت تمويلات بلغت بنهاية عام 2025 نحو 1.4 تريليون جنيه؛ بما يعادل حوالي 54% من إجمالي التمويلات الممنوحة من القطاع المالي المصري للقطاع الخاص والعائلي والأفراد، وتخدم ما يزيد على 64 مليون عميل.
ولمن لا يعلم فإن نشاط التمويل الاستهلاكي، الذي تمارسه تلك الشركات التي بدأت تدخل السوق التمويلية على استحياء قبل نحو ٢٠ عامًا، ثم توسعت بمعدلات كبيرة للغاية خلال السنوات الماضية، هو التمويل الذي يقدم للأفراد بغرض شراء السلع والخدمات لأغراض استهلاكية، منها الخدمات التعليمية واشتراكات الأندية الرياضية، وخدمات السفر والسياحة، وخدمات صيانة السيارات والأجهزة والمعدات الاستهلاكية، وخدمات الطاقة المتجددة للمنازل، وغيرها من الخدمات الأخرى التي يحتاجها المواطن حتى أنها باتت منافسًا قويًا للبنوك في تقديم القروض والتمويلات، وحصلت على نصيب كبير من كعكة الإقراض؛ حيث بلغ عدد عقود التمويل التي أبرمتها نحو ١٠ ملايين عقد.
سر هذا الإقبال الكبير يكمن في أن الأفراد غير القادرين على الاقتراض من البنوك نتيجة صعوبة استيفاء الضمانات أو الجدارة الائتمانية، يلجأون للاقتراض من مؤسسات التمويل غير المصرفي، لكن بتكلفة مرتفعة، مع تقديم ضمانات غير مشددة؛ أقلها بطاقة شخصية وضامن، وهو ما يتم التحذير منه، في ظل شكوك حول التزام بعض تلك الشركات بسياسات التقييم الائتماني المنضبطة المطبقة في البنوك؛ والتي ربما ينتج عنها مشكلات وأزمات غير مرغوب فيها، خصوصًا إذا تمت عملية التمويل دون تقييم كافٍ للقدرة الائتمانية، ما قد يرفع مستويات المخاطر، خاصة في حال ضعف آليات التحصيل.
تلك الظاهرة من التمويل السهل تنتشر بقوة لافتة في القرى والنجوع والمناطق الشعبية بالمدن؛ حيث تزداد فيها حاجة المواطنين للاقتراض دون وجود ضمانات قوية، وهو ما دفع هذه الشركات للتسابق لمنح هذه التمويلات في هذه المناطق، وربما بعض المقترضين؛ خصوصًا من السيدات اللاتي يواجهن الحبس؛ بسبب عدم القدرة على سداد القرض.
البعض يقلل من هذه التحذيرات؛ كونها تأتي من مصرفيين منافسين لهذه الشركات، التي أصبحت تحظى بإقبال واسع من الباحثين عن قروض؛ خصوصًا في ظل التحديات الاقتصادية التي فرضت أعباء كبيرة على شرائح واسعة في المجتمع عرقلت قدرتها على الشراء النقدي، لكن كما قلت مع افتراض حسن النية، فإن الأمر يجب أن يكون محل نظر.
وللحقيقة، فإن هيئة الرقابة المالية، وهي الجهة التي يخضع لرقابتها هذا النوع من التمويل وترخص له، تقوم بدور رقابي مشدد لضمان سلامة العمليات المالية التي تقوم بها هذه الشركات؛ من خلال تطبيق عدد من القواعد الصارمة، في مقدمتها إلزام جميع الشركات والجهات بمختلف الأنشطة المالية غير المصرفية بتطبيق المعايير الدولية، واتباع أسس الجدارة الائتمانية قبل منح التمويل للعميل؛ من خلال التحقق من امتلاك العميل الملاءة المالية التي تضمن القدرة على السداد، لكن في تقديري أنه في ظل التوسع الكبير لهذا النشاط التمويلي، والسباق المحموم بين الشركات في استقطاب العملاء بهذه الأرقام المليونية والتمويلات المليارية، ربما يصعب على الهيئة القيام بعملية الرقابة الشاملة والدقيقة على الوجه الأكمل، برغم أن نسبة التعثر لا تتجاوز ٣%، وفق ما تقول الهيئة، وبالتالي يصبح التحذير له وجاهته، والتحوط له مبرراته، والتخوف له سنده؛ ما يدعو إلى المزيد من التشدد في الرقابة، والبحث عن أدوات جديدة توفر ضمانات الرقابة الشاملة على نشاط هذه الشركات.
وفي هذا السياق أعتقد أن التوسع في الاستعلام الائتماني يعد ضرورة ملحة في ضبط سوق التمويل إذ إنه يوفر ما يمكن تسميته بالحماية الاستباقية، وعدم الانزلاق في تقديم تمويلات لعملاء لا يمتلكون القدرة المالية على سدادها، كما يجب التشدد في الرقابة على عمليات الإقراض التي تقوم بها الشركات، ووضع قائمة سوداء للمخالفين منها.
المؤكد أن شركات التمويل الاستهلاكي تقوم بدور محوري لا غنى عنه في مجال التمويل، وحل مشكلة شريحة مجتمعية، ليست بالصغيرة، لا تتوافق ظروفها مع قواعد البنوك، إلا أن ذلك لا يمنع من التوسع في الرقابة الاستباقية التي تحقق جودة الائتمان، وعدم السقوط في مستنقع التعثر، وهي المهمة المنتظرة التي تقع على عاتق هيئة الرقابة المالية، قبل حدوث فقاعة مالية لا تحمد عقباها.
[email protected]