16-5-2026 | 15:14

في جنوب لبنان، رنّ هاتفه المحمول.

جاءه صوت يتحدث العربية بلكنة مكسّرة:
“لقد حان وقتك… هل تريد أن تموت وحدك أم مع أسرتك؟”

ساد صمت قصير.

ثم أجاب الرجل:
“أموت وحدي.”

فجاءه الرد:
“إذن غادر منزلك فورًا.”

لم تكن مشادة.
ولا تهديدًا يمكن تجاهله.

كان أشبه بإخطار أخير قبل تنفيذ حكم صدر بالفعل.

خرج الرجل من منزله على عجل، بينما كانت زوجته تبكي دون أن تفهم ما يحدث بالكامل. استقل سيارته وابتعد. وبعد دقائق قليلة، أصابت قذيفة السيارة وانتهى الأمر.

القصة ليست من رواية ديستوبية عن المستقبل، بل وردت في تحقيق نشرته صحيفة لوس أنجلوس تايمز الأمريكية حول أنظمة الاستهداف الحديثة المعتمدة على الذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات في الحرب.

لكن أكثر ما يثير القلق في القصة ليس الصاروخ نفسه،
بل ما سبقه.

كيف وصلوا إليه أصلًا؟

طبقًا للتحقيق، تعتمد منظومات الاستهداف الحديثة على كم هائل من البيانات: الهواتف الذكية، إشارات الواي فاي، كاميرات الشوارع، المسيرات، وسائل التواصل الاجتماعي، سجلات الاتصالات، الصور الجوية، والبيانات الحكومية.

كل تفصيل صغير في حياة الإنسان يمكن أن يتحول إلى معلومة قابلة للتحليل.

ثم تأتي الخوارزميات.

وتحديدًا شركات مثل بالانتير، التي تحولت خلال السنوات الأخيرة إلى أحد أبرز الأسماء في عالم تحليل البيانات العسكرية والاستخباراتية.

المثير للاهتمام أن متابعة حركة سهم تلك الشركة في البورصة تكشف علاقة غريبة بعالم الحروب: يرتفع السهم مع تصاعد التوترات والتهديدات العسكرية، ويهتز مع الحديث عن التهدئة ووقف إطلاق النار.

كأن الأسواق أصبحت تدرك أن الحروب الحديثة لم تعد فقط صراعًا بين جيوش، بل أيضًا صناعة مربحة للبيانات والتحليل والتنبؤ والاستهداف.

توفر هذه الشركات أنظمة ذكاء اصطناعي قادرة على الربط بين الأسماء والأرقام والتحركات والعلاقات وأنماط السلوك، لتنتج في النهاية قوائم بأشخاص تعتبرهم “أهدافًا محتملة”.

لكن خلف كل “قائمة أهداف” يبقى سؤال أكثر رعبًا:
كيف جرى اختيار هذا الرجل تحديدًا؟

تحقيق لوس أنجلوس تايمز يشير إلى أن أنظمة الذكاء الاصطناعي أصبحت تشارك في تحديد الأشخاص الذين يُنظر إليهم باعتبارهم أهدافًا محتملة.

الرجل — كما بدا من التحقيق — لم يكن شخصية عسكرية بارزة، بل شخصًا عاديًا يساعد المتضررين من الدمار.

لكن في عالم البيانات، قد تراه الخوارزمية في ضوء آخر: ربما كان سبب الاشتباه مجرد رقم هاتف، أو علاقة اجتماعية، أو زيارة لمكان معين، أو اتصال بشخص ما… وربما فقط نمط حركة رأت فيه الخوارزمية ما يكفي لإضافته إلى قائمة الأهداف.

وهكذا يتحول موت إنسان إلى مجرد نتيجة لتحليل احتمالات أجرته خوارزمية.

وفي لحظة ما، يتحول الإنسان من مواطن عادي إلى نقطة مضيئة على شاشة.

والمفارقة أن قادة شركات الذكاء الاصطناعي يخوضون معارك سياسية ضد محاولات فرض قيود وتنظيمات أكثر صرامة على استخدام هذه التقنيات في اتخاذ القرارات الحساسة.

وكأنهم يريدون منح الخوارزميات سلطة أكبر…
سلطة اتخاذ قرارات الحياة والموت.

المخيف هنا ليس فقط القتل،
بل البرود الذي يحيط به.

ذلك الصوت الذي منحه فرصة أخيرة:
“غادر منزلك حتى لا تموت أسرتك.”

شيء يشبه الرحمة…
لكنه في الحقيقة يجعل المشهد أكثر قسوة.

فالرجل لم يُمنح فرصة للحياة،
بل طريقة لاختيار الموت.

ربما لهذا تبدو القصة صادمة إلى هذا الحد.

لأنها لا تتحدث فقط عن حرب،
بل عن عالم جديد،
قد يصبح فيه هاتفك المحمول شاهدًا عليك،
ودليلك إلى الموت.

كلمات البحث
اقرأ أيضًا: