14-5-2026 | 22:03

في اللحظة التي تترنح فيها الجغرافيا وتستباح فيها التوازنات، يأتي اختيار السفير نبيل فهمي، وزير خارجية مصر الأسبق، أميناً عاماً لجامعة الدول العربية بالإجماع ليضعنا أمام مشهد يتجاوز التغيير الإداري التقليدي.. إنه استدعاء لنموذج الدبلوماسي المثقف الذي صهرته التجربة في مختبرات الأزمات الدولية الكبرى، كعقل إستراتيجي راجح يدرك أن "بيت العرب" لم يعد مجرد منظمة إقليمية، بل الرهان الأخير للحفاظ على ما تبقى من الذات العربية في عالم لا يعترف إلا بالكتل الصلبة.

يمثل اختيار السفير نبيل فهمي، في الدورة الـ165، اتفاق الضرورة، حيث تلتقي خبرته التي استلهمها من مدرسة الدبلوماسية المصرية العريقة، بوجع الواقع العربي المثقل بالتصدعات. 

نبيل فهمي، صاحب العمق في الفكر والواقعية في المنهج، يقف اليوم على أعتاب ما يمكن وصفه بالمهمة الانتحارية بمعناها السياسي، والتي يعلق عليه الكثيرون آمالاً في تحويل الجامعة من منصة لتدوير الأزمات إلى مختبر لصناعة الحلول.

في بداية تسلمه لمهمته مطلع يوليو المقبل، يواجه نبيل فهمي منطقة تعيش حالة من السيولة الجيوسياسية الشاملة، حيث تلاشت الحدود التقليدية، وتحولت الصراعات إلى حروب هجينة تقتات على الفراغ الجيوسياسي، بينما تمد القوى الإقليمية غير العربية نفوذها في المساحات التي تركها التراجع العربي الجماعي.

يتمثل التحدي الحقيقي أمام الأمين العام الجديد للجامعة العربية ليس فقط في إصلاح الهيكل الإداري، بل في استعادة الفكرة ذاتها.. وفي ظل الانقسامات التي بلغت حد القطيعة أحياناً بين أطراف عربية، يبرز الدور المأمول للأمين العام الجديد الذي قد يسعى لضبط توازنات المصالح المتناقضة.

وأرى أن فلسفة نبيل فهمي ستقوم على أن الدبلوماسية ليست فن الممكن فحسب، بل هي القدرة على اشتقاق الإرادة من قلب العجز، وإيجاد خيط رفيع يربط بين تناقضات المصالح الوطنية وبين مقتضيات الأمن القومي الشامل.

يدرك نبيل فهمي، بخلفيته العميقة كخبير في شؤون الأمن الدولي ونزع السلاح، أن الكلمة في المحافل الدولية لا وزن لها ما لم تستند إلى قوة تحميها.. لذلك فإن التوقعات تشير إلى أن أحد محاوره الإصلاحية قد تتركز على إعادة إحياء اتفاقية الدفاع العربي المشترك ولكن برؤية تتناسب مع تعقيدات النظام العالمي الحالي.. فالأمر هنا لا يتعلق بجيش كلاسيكي بقدر ما يتعلق بعقيدة أمنية تكاملية تضع حداً لاستباحة الفضاء العربي.

ويرجح أن تشهد فترته محاولات جادة لإعادة تعريف الخطوط الحمراء العربية، وهي المهمة التي تتطلب مبضع جراح ماهر، يعرف متى يستخدم الضغط الدبلوماسي ومتى يلوح بورقة التكتل الإستراتيجي، لتحويل الجامعة من مجرد مراقب للأحداث إلى فاعل يفرض شروطه في معادلة الإقليم.

من المتوقع أن تتجلى بصمة نبيل فهمي في القدرة على القفز فوق الأطر التقليدية، بحيث لا تظل القضية الفلسطينية -رغم مركزيتها- مجرد بند روتيني، بل تتحول إلى محرك لـدبلوماسية عربية تعتمد على المبادرة وتتجاوز ردود الأفعال. كما ينتظر أن يقتحم دوائر اهتمام قد تمثل طوق نجاة للعمل العربي المشترك، ولا يخفى على أحد ضرورة وجود رؤى تتعامل مع قضايا الماء والغذاء والطاقة كعناصر سيادية لا تقبل التجزئة أو الخضوع لابتزاز الخارج.

علاوة على ذلك، أرى أن الأمين العام الجديد سوف يستثمر علاقاته الدولية لفتح آفاق مع القوى الصاعدة لخلق توازن يحرر القرار العربي من أحادية القطبية.. وأمام العجز المالي المزمن للجامعة، يرجح أن تتجه رؤية نبيل فهمي المؤسسية نحو حلول خارج الصندوق مثل تحويل مساهمات الدول من التزام مالي ثقيل إلى استثمار سيادي.. وربما نشهد في عهده طرحاً لإنشاء صناديق استثمارية عربية لتمويل مشاريع الربط البنيوي، مما يخلق مصالح اقتصادية تجعل من الوحدة ضرورة ربحية.. كما يتوقع أن يسعى لتطوير آليات التصويت لتجاوز فخ الإجماع الذي كثيراً ما كبّل قدرة الجامعة على الحركة في اللحظات الحاسمة.

إن شخصية نبيل فهمي، بما تحمله من مزيج بين هدوء العقل الإستراتيجي والانتماء العروبي، تجعل منه الرجل المناسب لهذه المرحلة، من خلال تخليص العمل العربي من الخطابة الإنشائية وإلباسه ثوب المصالح المتبادلة، بالإضافة إلى إجادة اللعب على التناقضات الدولية لانتزاع المكاسب.. ولا بد أن تضع في الاعتبار أنه لا يملك عصا سحرية، لكنه بالتأكيد يملك خارطة طريق لاستعادة الهيبة التي ضاعت في دهاليز الخلافات.

وبينما يستعد نبيل فهمي للجلوس على مقعد الأمانة العامة، فإن الآمال المعقودة على هذه المرحلة تتجاوز شخصه لتشمل المؤسسة بأكملها.. فنحن لا ننتظر منه معجزات، بل نترقب استقامة المنهج وقوة الطرح. 

نبيل فهمي في تقدير المجتمع الدبلوماسي يبدأ رحلة البحث عن المركز في عالم تائه، ومع توليه المهمة، نتطلع إلى لحظة يتصالح فيها التاريخ العربي مع جغرافيته، وتكف فيها أمواج السيولة عن اغتيال أحلام الشعوب، ليكون هو العقل الإستراتيجي الذي تقتضي المرحلة وجوده، ليعيد للبيت العربي هيبته ووقاره، وللصوت العربي وزنه وثقله.

كلمات البحث
اقرأ أيضًا: