14-5-2026 | 18:30

نجحت الدولة المصرية في تعويض سنوات الغياب الطوعي عن إفريقيا، التي بدأت منتصف التسعينيات من القرن العشرين إبان عهد الرئيس الراحل حسني مبارك، وسدت بإحكام الفجوات الناتجة عنها، والتي كانت لها تأثيراتها السلبية والمتشعبة على مسارات العلاقات مع القارة السمراء لمدة طويلة. 

شيدت مصر سياساتها وتوجهاتها الجديدة حيال إفريقيا بالارتكاز على رؤية استراتيجية شاملة ومحكمة للغاية، جوهرها الأساسي وقلبها النابض هو مد يد التعاون والعون للأفارقة بما يحقق ويلبي المصالح المشتركة للجميع، وأنها لن تدخر وسعًا ولا جهدًا للوقوف كتفًا بكتف إلى جوار الشعوب الإفريقية الباحثة عن التنمية الاقتصادية والرخاء والاستقرار والقدرة على مواجهة الأزمات العاصفة إقليميًا ودوليًا. 

أما الجناح الآخر لهذه الاستراتيجية، فهو الحفاظ على أمن مصر المائي غير القابل للتفريط ولا المساومة، ويتم التحرك فيه بحكمة واتزان وحسم وحزم، وقد دللت التطورات الجارية في هذا الملف المصيري والحيوي على صواب التوجه المصري. 

وجاءت الحصيلة العملية لهذه الاستراتيجية متمثلة في توثيق العلاقات المصرية الإفريقية، وتزويد البلدان الإفريقية بخبرات مصرية كفؤة في مجالات متعددة، لا سيما في القطاع الطبي وتشييد السدود ومحطات الكهرباء وغيرها، فضلا عن استعادة مصر مكانتها كقوة فاعلة ومؤثرة في الشأن الإفريقي، ولا نبالغ إن قلنا إنها باتت الصوت المعبر عن هموم وهواجس القارة السمراء بالمحافل والمنتديات الدولية. 

وعكست كلمة الرئيس السيسي أمام قمة إفريقيا – فرنسا بالعاصمة الكينية نيروبي هذه الحقيقة، حيث وضع يده على جوهر الأزمة الاقتصادية التي تعاني منها الدول النامية، والعائدة إلى طبيعة النظام المالي العالمي الحالي، الذي لم يعد قادرًا على التعامل مع التحديات المتسارعة التي تواجه الاقتصادات الإفريقية، بسبب تفاقم أعباء الديون وارتفاع تكلفة التمويل. 

ولم يكتف الرئيس السيسي بمجرد استعراض وتشخيص ما تشهده إفريقيا من تحديات ومصاعب متلاحقة تعرقل نموها الاقتصادي وانطلاقها إلى الأمام، بل قدم روشتة علاج ناجعة وفعالة، من بينها مبادلة الديون بمشروعات تنموية استنادًا إلى أن ذلك يربط ما بين الالتزامات المالية الدولية واحتياجات التنمية الفعلية بالقارة التي يقطنها 1,4 مليار نسمة، أي ما يقارب 18% من تعداد سكان العالم. 

إن دعوة الرئيس السيسي إلى كسر الحلقة المفرغة لمعضلة الديون السيادية الإفريقية هي في جوهرها دعوة إلى توخي العدالة واتباع آليات أكثر عدلا ومرونة تسمح بتدفق الاستثمارات دون تحميل الدول الإفريقية أعباء إضافية، والتخلي عن سياسات الإقراض التقليدية التي كانت سببًا في تعثر وتأخر إفريقيا عن تسجيل معدلات نمو اقتصادي تتناسب مع ظروفها وأوضاعها الداخلية. 

والشق الأهم، كما ذكر الرئيس السيسي، هو أنه لا تنمية من دون سلام، فهناك ارتباط شرطي بين الأمرين، إذ إن بعض دول القارة مرهقة ومستنزفة إلى أبعد الحدود جراء حروب وصراعات داخلية ومواجهات مع قوى الظلام والإرهاب والتطرف، التي وجدت موطئ قدم فيها، وأصبحت تشكل خطرًا كبيرًا ووجوديًا على الدولة الوطنية ومؤسساتها. 

وتشهد القارة الإفريقية في الوقت الراهن نحو 40% من حروب كوكب الأرض، مع أكثر من 50 نزاعًا مسلحًا نشيطًا، وقد زادت وتيرتها منذ عام 2020، مما أدى إلى واحدة من أكبر أزمات النزوح في العالم، والتي تشتكي منها الدول الغربية مر الشكوى ومن انعكاساتها عليها. 

والكل يعلم مدى حرص مصر ودعواتها المتكررة الدؤوبة لدعم ومساندة الدولة الوطنية المستهدفة من قبل جماعات وتنظيمات إرهابية تبغي تقسيم الدول وتحويلها إلى دويلات تتحكم فيها ويسيرها عصابات وميلشيات مسلحة تمنح ولاءها لمَن يزودها بمال وفير ويرسم لها خططها التخريبية والتدميرية. 

إن الرؤية المصرية تجاه إفريقيا تعتمد على أن مصر بوابة القارة، وعلى تعزيز مبدأ الاعتماد على الذات بواسطة دعم التصنيع المحلى، وتطوير السياسات النقدية والمصرفية، وتشجيع الاستثمارات والشراكات بين القطاعين العام والخاص، علاوة على السعي إلى تشكيل كتلة اقتصادية إفريقية قوية تمتلك كل المقومات اللازمة للمنافسة عالميًا، وذلك عبر تدعيم التجارة البينية بين الدول الإفريقية، التي بإمكانها التحول إلى مركز إنتاج صناعي ضخم. 

وبطبيعة الحال، ثمة فرصة سانحة وذهبية لبلوغ هذه الغاية، شريطة التخلص من الهشاشة السياسية والأمنية والاقتصادية والمالية التي تعاني منها بعض دول القارة السمراء، وهو ما تدركه مصر التي تحاول نقل تجاربها التنموية في ربوع إفريقيا ومساعدتها على مجابهة تحدياتها ومشكلاتها. 

بالإضافة إلى حسن إدارة وتوظيف الموارد البشرية والطبيعية التي تزخر بها القارة، وأن تعزز من استقرارها والعوامل المساعدة عليه، وتوطين التنمية. 
لقد قدمت مصر بيانًا عمليًا يؤكد أنها ساعية دائما للشراكة الإيجابية مع الأطراف الإفريقية التي تعود بالفائدة على الجميع، ومنفتحة على التعاون المثمر والبناء، وأنها حقا بوابة إفريقيا.

كلمات البحث
اقرأ أيضًا: