‫زيارات الرئيس السيسي.. رسائل مهمة في توقيت استثنائي‬

14-5-2026 | 15:37

جاءت زيارة السيد الرئيس عبد الفتاح السيسي إلى كل من الإمارات وسلطنة عمان كتحرك سياسى محسوب فى وقت شديد التعقيد، تتشابك فيه الأزمات الأمنية مع التحولات الجيوسياسية، وتتزايد الحاجة إلى بناء شبكة عربية أكثر تماسكا وقدرة على احتواء التوترات المتصاعدة فى المنطقة.

فالزيارة، بتوقيتها ودلالاتها، عكست إدراكا مصريا متقدما بأن مرحلة الاضطراب التى يعيشها الشرق الأوسط لم تعد تحتمل الاكتفاء بالبيانات السياسية، إنما تتطلب تنسيقا مباشرا ومكثفا بين العواصم العربية الرئيسية، خصوصاً تلك التى تمثل مراكز ثقل سياسى واقتصادى وأمنى فى الإقليم.

ومن هنا، بدا واضحا أن مصر تتحرك وفق رؤية، تقوم على تثبيت معادلة الأمن العربى المشترك، باعتبار أن استقرار الخليج جزء لا ينفصل عن الأمن القومى المصري، وأن أي تهديد يطال دول الخليج ينعكس بالضرورة على مجمل التوازنات العربية.

الاستقبال الذى حظى به السيد الرئيس السيسي فى أبو ظبى ومسقط حمل رسائل سياسية تتجاوز المراسم الرسمية.

فالحفاوة الشعبية والرسمية، عكست حجم الثقة المتبادلة بين مصر وكل من الإمارات وسلطنة عمان، كما كشفت عن مكانة القاهرة داخل المعادلة الخليجية، فى وقت تعيد فيه المنطقة ترتيب أولوياتها وتحالفاتها.

وفى أبوظبى تحديدا، بدت الزيارة وكأنها تأكيد متجدد على صلابة التحالف المصرى الإماراتي، الذى تطور خلال السنوات الأخيرة من مستوى العلاقات الثنائية التقليدية إلى شراكة إستراتيجية واسعة النطاق، فالقاهرة وأبو ظبى لا تجمعهما فقط مصالح اقتصادية واستثمارية متشابكة، إنما رؤية سياسية متقاربة تجاه قضايا الإقليم، تقوم على دعم استقرار الدولة الوطنية، ورفض الفوضى، وتغليب الحلول السياسية، والحفاظ على توازن المنطقة فى مواجهة موجات التصعيد.

كما حملت الزيارة رسالة تضامن واضحة مع الإمارات فى ظل التحديات الأمنية التى تشهدها المنطقة، لتؤكد أن العلاقات المصرية الإماراتية تجاوزت منذ سنوات حدود التعاون السياسى إلى مستوى الشراكة المصيرية.

هذه الشراكة تستند إلى جذور تاريخية عميقة، بدأت منذ عهد الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، الذى نظر إلى مصر باعتبارها ركيزة أساسية للأمة العربية، واستمرت حتى أصبحت العلاقات بين البلدين نموذجا لما يمكن أن تكون عليه العلاقات العربية عندما تقوم على الثقة والوضوح ووحدة المصير.

أما عن زيارة مسقط، فقد حملت بعدا مختلفا لا يقل أهمية، فسلطنة عمان تمثل دائما صوت التهدئة والحلول السياسية داخل الإقليم، وتحافظ على نهج متوازن فى إدارة علاقاتها وتحركاتها السياسية، ومن ثم، فإن اللقاء بين القاهرة ومسقط عكس تقاربا فى الرؤية تجاه ضرورة خفض التصعيد وتغليب الحوار كمدخل أساسى لمعالجة أزمات المنطقة.

وفى ظل حالة الاستقطاب الحاد التى يعيشها الشرق الأوسط، تبدو مصر وعمان أقرب إلى تبني مقاربة سياسية تقوم على منع الانزلاق نحو مواجهات مفتوحة، والسعي إلى الحفاظ على الحد الأدنى من الاستقرار الإقليمي، خصوصا مع اتساع دوائر التوتر وتشابك الملفات الأمنية.

تضمنت الجولة أيضا جانبا اقتصاديا، فالتعاون المصرى الإماراتى يشهد توسعا متسارعا فى مجالات الاستثمار والتنمية والطاقة والبنية التحتية، فى إطار توجه مشترك نحو بناء تكامل اقتصادى عربى قادر على مواجهة التقلبات الدولية، كما أن العلاقات مع سلطنة عمان تشهد بدورها تطورا لافتا للنظر، خصوصا فى مجالات التجارة والاستثمار والنقل والتعاون اللوجستي، بما يعكس رغبة مشتركة فى توسيع مساحات الشراكة الاقتصادية.

اللافت للنظر أيضا، أن الجولة الخليجية جاءت وسط اهتمام إعلامى وشعبى واسع، بما يعكس إدراكا خليجيا متزايدا لأهمية الدور المصرى فى معادلة الاستقرار العربي، فمصر لا تتحرك هنا بوصفها دولة تبحث عن حضور سياسي، إنما باعتبارها طرفا رئيسيا فى إعادة بناء التوازنات الإقليمية، ومحاولة إنتاج صيغة عربية أكثر قدرة على التعامل مع الأزمات المتلاحقة.

ختاما، فإن زيارة السيد الرئيس عبدالفتاحالسيسي إلى الإمارات وسلطنة عمان أعادت التأكيد على أن العلاقات المصرية الخليجية لم تعد مجرد علاقات تعاون تقليدية، بل أصبحت شبكة مصالح ورؤى وتحالفات تتشكل على أساس إدراك مشترك لحجم التحديات التى تواجه المنطقة.

وفى توقيت تتزايد فيه احتمالات التصعيد، بدت الجولة بمثابة رسالة واضحة مفادها أن العواصم العربية الرئيسية تدرك خطورة المرحلة، وتتحرك نحو تعزيز التنسيق السياسى والإستراتيجى، باعتباره الخيار الأكثر قدرة على حماية استقرار المنطقة ومنع انزلاقها إلى مزيد من الفوضى.

كلمات البحث
الأكثر قراءة