هل حقًا يعطي الكون أسراره للمغامرين.. للمخاطرين.. استيقظت سويسرا على جرس إنذار من ساعاتها الدقيقة وكنوز تُخزن في بنوكها الحصينة.. خبر غريب عن شاب، قرأ القانون بعناية أو مصادفة لا يهم.. لكنه أخرج ثغرة قانونية أتاحت له امتلاك مساحات كبيرة من الأراضي السويسرية نظير مبالغ زهيدة.. أو ضريبة مقدرة.
إنه يوناس لاوفينر، يبلغ من العمر 31 عامًا، من أم مغربية، وأب سويسري، يمتلك الآن 151 عقارًا في 9 كانتونات سويسرية، بمساحة تجاوزت 117 ألف متر مربع! طرق، غابات، وأراضٍ زراعية، وبيوت مهجورة.. كلها أصبحت ملكًا له.
لم يكن الأمر سرقة ولا غشًا، بل ذكاء قانونيًا خالصًا استغل فيه المادة 658 من القانون المدني السويسري، التي تقول ببساطة: إذا كانت الأرض بلا مالك معروف، فمن يتقدم بها يسجلها باسمه.
والقصة بدأت بالمصادفة بأنه شاهد المنزل المهجور بجواره، وفكر في شرائه، ولكنه عرف أنه يمكنه بالقانون أن يمتلكه نظير الإبلاغ وحده عن رغبته ودفع رسوم الضرائب فقط.. يصير مالكًا له.
بعدها بحث يوناس في السجلات الإلكترونية في الدولة كلها، كما يبحث صائد الذهب عن كنزه، ووجد ما يبحث عنه: أراضي كثيرة “ميتة” في نظر القانون، فأحياها تسجيلًا وملكية.
تذكرت قاعدة اقتصادية وفلسفية مذهلة، وأصل من أصول عمارة الأرض في الإسلام، وحافز نبوي لاستصلاح الأراضي غير المستغلة، بالإضافة إلى أنها حديث صحيح: «من أحيا أرضًا ميتةً فهي له..».. والمعنى في الإسلام يهدف إلى دفع عجلة الاقتصاد، وعدم إبقاء الأرض معطلة وبورًا.. وبالتالي تشكل صفرًا في إنتاج الدولة.. والصفر إنتاج، للأسف نراه في كل الصحراء من حولنا.. والتي نريدها أن تتحول إلى أراضٍ مستغلة ومنتجة.
فلسفة الإحياء في الإسلام هي "فلسفة وجود".. الإسلام لا يعترف بالتعطيل.. الأرض التي لا تُزرع، والبيت الذي لا يُسكن، يجب إحياؤها والاستفادة منها.
استخدم يوناس ما يُسمى «التملك بوضع اليد» – لكنه ليس وضع اليد الذي نعرفه في مصر.. فهنا «التقادم المكسب للملكية» أو ما يسمى بوضع اليد، يمنح الملكية بعد 15 سنة من الحيازة الهادئة والمستمرة، والظهور الواضح للناس في العين المملوكة.. ثم تحول القانون حاليًا إلى «تقنين أوضاع» وتدفع القيمة السوقية للأرض أو العقار.
أما في إنجلترا، التي زرتُها وشاهدتُ فيها عشرات البيوت المهجورة، فالأمر مختلف.. هناك ما يُسمى “adverse possession” أو “حقوق المحتل”، أو "الاستيلاء المعاكس".. يمكنك أن تمتلك أرضًا أو بيتًا مهجورًا إذا أقمت فيه فعليًا لمدة 12 عامًا في الأراضي غير المسجلة أو 10 سنوات للمسجلة.. بشرط أن تكون السيطرة مستمرة وعلنية و"ظاهرة".
إذن نحن أصعب مما في سويسرا، بكثير.. فعليك أن تسكن وتحرس وتبني وتدفع فواتير الكهرباء، وتواجه اعتراضات المالك القديم إن ظهر.
الله سبحانه أمرنا بعمارة الأرض لا بإهمالها، والحقيقة أن العدل واحد، سواء كان في مكة أو مصر أو في برن أو لندن.. يوناس لم يقرأ الحديث النبوي بالتأكيد، لكنه عاش مبدأه: أحيا أرضًا “ميتة” في نظر السجلات، فصارت له.
وقرأت إنهم سيغيرون القانون السويسري ويسدون الثغرات بسبب هذا الشاب.