ترامب في بكين.. إعادة هندسة النفوذ في العالم

14-5-2026 | 10:54

حين وصل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى بكين في هذا التوقيت المضطرب دوليًا، فالمشهد يتجاوز كثيرًا فكرة زيارة سياسية اعتيادية بين قوتين عظميين. ما يجري فعليًا هو محاولة لإعادة ضبط العلاقة الأكثر خطورة في العالم؛ العلاقة التي يتوقف عليها شكل الاقتصاد العالمي، ومسار التوازنات العسكرية، ومستقبل النظام الدولي كله. فالعلاقة بين واشنطن وبكين لم تعد مجرد تنافس بين دولتين كبيرتين، وإنما أصبحت صراعًا على من يضع قواعد القرن النفوذ في القرن الحادي والعشرين؛ الولايات المتحدة التي تحاول الحفاظ على مركز القيادة العالمية، أم الصين التي ترى أن لحظة انتقال النفوذ الدولي بدأت بالفعل.

تأتي الزيارة بينما العالم يعيش حالة سيولة إستراتيجية غير مسبوقة. الشرق الأوسط يشتعل على وقع المواجهة مع إيران، والحرب الاقتصادية والتكنولوجية تتصاعد، وملف تايوان يتحول تدريجيًا إلى أخطر نقطة احتكاك عسكري محتملة بين القوتين، فيما يواجه الاقتصاد العالمي حالة إنهاك ممتدة منذ سنوات. لهذا لا تبدو القمة مجرد مساحة لخفض التوتر، وإنما محاولة لمنع انفجار شامل قد يفقد الجميع القدرة على السيطرة. 

واللافت أن ترامب وصل إلى بكين بصورة مختلفة عن صورته التقليدية التي ارتبطت دائمًا بالتصعيد الحاد ضد الصين. فالرجل الذي بنى جزءًا كبيرًا من خطابه السياسي على الحرب التجارية ومواجهة النفوذ الصيني، يبدو اليوم أكثر إدراكًا لحجم التعقيد الذي يحكم العلاقة بين البلدين. فالولايات المتحدة اكتشفت أن الدخول في مواجهة مفتوحة ومتزامنة مع الصين وإيران وروسيا في آن واحد يحمل تكلفة هائلة اقتصاديًا واستراتيجيًا. كما أن المؤسسات الاقتصادية الأمريكية الكبرى باتت تضغط بقوة لمنع الوصول إلى قطيعة كاملة مع بكين، لأن الاقتصادين الأمريكي والصيني وصلا إلى مستوى من التشابك يجعل الفصل الكامل بينهما أقرب إلى مغامرة خطيرة تهدد الأسواق العالمية نفسها.

من هنا يمكن فهم السؤال الأهم ماذا يريد ترامب من الصين؟ الحقيقة أن ترامب لا يذهب إلى بكين بهدف تحقيق اختراق أيديولوجي أو بناء شراكة استراتيجية شاملة، وإنما لتحقيق مجموعة أهداف عملية ومباشرة. في مقدمة هذه الأهداف احتواء التوتر الاقتصادي الذي بدأ ينعكس على الأسواق الأمريكية وسلاسل الإمداد والتكنولوجيا والصناعة. واشنطن تريد تهدئة الحرب التجارية بصورة تسمح باستقرار الأسواق دون أن تبدو متراجعة أمام الداخل الأمريكي. كما يريد ترامب الحصول على تفاهمات تقلل من اندفاع الصين في ملفات حساسة مثل دعم الصناعات التكنولوجية المنافسة للولايات المتحدة أو توسيع النفوذ العسكري في آسيا.

لكن الملف الأكثر إلحاحًا بالنسبة لترامب حاليًا هو إيران. الإدارة الأمريكية تدرك أن بكين تمتلك مفاتيح ضغط اقتصادية مؤثرة على طهران بحكم العلاقات النفطية والتجارية الواسعة، ولذلك تحاول واشنطن دفع الصين نحو لعب دور يساعد على منع توسع الحرب أو على الأقل ضبط إيقاع التصعيد. 

كذلك يريد ترامب تقليل مستوى التقارب الإستراتيجي المتزايد بين الصين وروسيا وإيران، لأن تشكل محور دولي واسع مضاد لواشنطن يمثل أحد أخطر التحديات أمام النفوذ الأمريكي خلال السنوات المقبلة.

إلى جانب ذلك، هناك هدف اقتصادي وتكنولوجي واضح. وجود شخصيات مثل إيلون ماسك وجنسن هوانغ ضمن الدائرة المحيطة بالزيارة يعكس إدراكًا أمريكيًا بأن معركة القرن لم تعد فقط معركة جيوش وحاملات طائرات، وإنما معركة رقائق إلكترونية وذكاء اصطناعي وسيطرة على التكنولوجيا المتقدمة. الولايات المتحدة تريد الحفاظ على تفوقها التكنولوجي، لكنها في الوقت نفسه تدرك أن الشركات الأمريكية العملاقة لا تستطيع خسارة السوق الصينية أو الانفصال الكامل عنها.

في المقابل، تدخل الصين القمة وهي تشعر أن ميزان القوة العالمي لم يعد يميل بالكامل لصالح واشنطن كما كان في العقود السابقة. بكين ترى أن الولايات المتحدة أصبحت أكثر إنهاكًا بسبب تعدد الجبهات المفتوحة، وأن الزمن الإستراتيجي يعمل تدريجيًا لصالح الصين، خصوصًا مع استمرار نمو نفوذها الاقتصادي العالمي واتساع حضورها في آسيا وأفريقيا والشرق الأوسط. لهذا فإن الصين لا تتعامل مع الزيارة باعتبارها محاولة للتهدئة فقط، وإنما باعتبارها اعترافًا أمريكيًا ضمنيًا بأن بكين أصبحت شريكًا إجباريًا في إدارة النظام الدولي. 

أما عن السؤال المقابل؛ ماذا تريد الصين من ترامب؟ فالإجابة تبدأ من نقطة أساسية تتمثل في أن بكين تريد الاستقرار لا الصدام الشامل. الاقتصاد الصيني نفسه يواجه تباطؤًا وضغوطًا داخلية، وأي مواجهة اقتصادية أو عسكرية واسعة مع الولايات المتحدة قد تؤدي إلى اضطرابات خطيرة في الداخل الصيني. لذلك تسعى بكين إلى تخفيف الضغوط التجارية والعقوبات التكنولوجية الأمريكية، والحصول على مساحة أوسع للحركة الاقتصادية دون حصار غربي شامل.

كما تريد الصين من واشنطن تقليل مستوى الدعم السياسي والعسكري لتايوان، لأن بكين تعتبر الملف التايواني قضية سيادة غير قابلة للمساومة. ولهذا فإن أي تهدئة حقيقية بين البلدين ستظل مرتبطة بقدرة الطرفين على إدارة هذا الملف شديد الحساسية دون الوصول إلى مواجهة مباشرة.

في الوقت نفسه، تسعى الصين إلى انتزاع اعتراف أمريكي عملي -حتى لو لم يكن معلنًا- بأن العالم لم يعد أحادي القطبية. بكين تريد تثبيت فكرة أن الولايات المتحدة لم تعد قادرة على فرض قواعد اللعبة منفردة، وأن أي نظام دولي جديد يجب أن يقوم على توازنات أكثر تعقيدًا تسمح للصين بموقع القوة العظمى الكاملة، لا مجرد قوة اقتصادية صاعدة.

وربما هنا تكمن أخطر دلالات الزيارة. فالقمة لا تعكس نهاية الصراع الأمريكي ـ الصيني، وإنما تعكس انتقاله إلى مرحلة أكثر تعقيدًا. مرحلة يدرك فيها الطرفان أن الصدام المباشر مكلف للغاية، لكن التراجع الكامل مستحيل أيضًا. لذلك يبدو المشهد أقرب إلى "إدارة تنافس طويل" لا "تسوية تاريخية نهائية".

وفي الحقيقة، هذا هو توصيف المرحلة الدولية الحالية كلها. العالم يعيش لحظة انتقال كبرى؛ الولايات المتحدة لم تعد قادرة على الانفراد المطلق بالقيادة كما بعد الحرب الباردة، والصين لم تصل بعد إلى لحظة الهيمنة الكاملة، بينما تتسع مناطق التوتر من آسيا إلى الشرق الأوسط وأوروبا. لهذا فإن زيارة ترامب إلى بكين ليست مجرد خبر سياسي عابر، بل واحدة من علامات التحول العميق الجاري في بنية النظام الدولي نفسه.

كلمات البحث
اقرأ أيضًا: