في لحظة ما سيتملكك هذا الشعور القوي، شعورك بالرغبة في العودة إلى ماض عشت تفاصيله بكل جوارحك سعيدًا مطمئنًا هانئ البال، ماضٍ بعيد حققت فيه من الأمنيات بعضها، وبقي الآخر حيًا محفورًا بذاكرتك إلى الآن، تتمنى لو عادت بك السنوات وشارفت على نيل ما تبقى هناك لك من أمنيات، يأخذك الأمل عابرًا بك كل الدروب والطرقات، يلقي بك في قلب ساحة ذكريات غضة، يغلبك الحنين حينها فيملأ نفسك سعادة وبهجة، يدعوك لرحلة عاجلة، جولة سريعة لاستعادة رصيدك المتبقي من الذكريات.
بنفس ملأتها اللهفة ودعاها الحنين ستعود بأقصى سرعة، تود لو تحقق هناك كل حلم ضاع منك وسط أحداث جمة ومسئوليات جسام، تسكنك الرغبة في البقاء هناك لتتابع ما سقط من بين يديك رغمًا عنك، تستدعيه رغم انشغالك بمئات الالتزامات، تتمنى أن لو عادت بك الأيام والأعوام مرة أخرى، تمنحك الفرصة من جديد لتلملم ما تبقى لديك من حكايات لم تكتمل، تحقق لك ما كنت تراه مستحيلًا من المستحيلات.
إنه النضج الذي مر بك وسكن أرضك، الإدراك الذي علمته إياك الحياة، سردت عليك الكثير من قصصها، أدركتها حين ملأ المشيب رأسك، فهمت الدرس بعد أن داهمك الضعف وتغيرت طريقة تعاطيك مع الأمور، تغيرت طريقة تفكيرك بعد استيعابك للعديد من الأشياء، ظهر ذلك من خلال قوة تحملك وتصديك للصعاب والمشكلات، بت حكيمًا متأنيًا فارقك طيش الشباب، تلك هي الفطرة وهذا هو الأثر الذي متى حاولت الإطاحة به تسلل، باغتك وعاد.
أيام تعقبها أيام وأعوام تعقبها أعوام، ضجيج يعقبه تعب ومشقة وقدر عظيم من الإرهاق، دعوات العودة إلى الماضي تتعاقب علينا، دعوات من الوهم، نداءات غير مشمولة بالنفاذ، أحلام متراكمة تركتها، رغبات وأمنيات تمنيت تحقيقها، أحلام تبقى منها ما تبقى ثم ضاع أغلبها في شتات، ذاب معظمها، تلاشى غاب مع حياة لم تعد هي، حياة فقدت العديد من السمات والصفات.
ماذا لو صنعنا أحلامًا تناسبنا، ماذا لو وضعنا خططًا تلائمنا، حتى وإن كانت خططًا قصيرة تخضع لأمر سنوات مرت بنا كالسهم، سهم مضى بأعمارنا كقطار يجري بلا انقطاع، قطار لا توقفه محطات، حياتنا قصة طويلة مثله، ذكرياتنا الجميلة عبارة عن نبع صاف فياض، حنيننا للماضي أمر طبيعي، رغبتنا في التجول بين دروبه أحيانًا تصنع بهجتنا، تنسج لنا من بريقها العديد من الحكايات.
العودة للماضي لا تعني هروبًا من واقع، لكنها تشبه نزهة عابرة أو وقتًا للاستجمام، لندرك أن الأحلام التي تحققت كان هذا بفضل رب لا يضيع إحسان، لا يمح أثر عمل تم بمهارة وتوجه إتقان، وأما التي لم تتحقق فيعود أمرها لحكمة رب يعلم ما لا نعلمه، يرى ما لا نراه.
يبقى الشكر والحمد لله متصلين، متواصلين ما دامت هناك حياة، فهما دليلا الرضا الذي تمسك به من ترك أمره لله، توكل عليه حق التوكل، أودعه كل ما يملكه في الحياة، من مال ومن ولد ومن عمل صالح أداه دومًا لوجه الله.