أعترف.. لقد أخطأت.. كتبتُ هنا الأسبوع الماضي مقالاً بعنوان «حُسِمت المعركة.. انتصرت الجهالة!»، حول دعوة الطبيب الراحل ضياء العوضي، رحمه الله، إلى اتباع نظام غذائي موحد، كفيل بحفظ صحة الإنسان، وإمكانية الاستغناء عن الدواء حتى في أخطر الأمراض، ليهدم بذلك كثيراً من الثابت والمعروف في الطب، دون تقديم أدلة، وقلت إن منطق التفكير العلمي يناقض هذا كله.
أغضب المقال كثيرين، انبروا في هجومٍ وسباب، ربما على سبيل الترهيب، كي لا يتحدث أحدٌ في الأمر من بعد. وهأنذا أعترف بالخطأ. أخطأتُ عندما تحدثتُ بلغة العلم!
كيف أفعل حقاً؟!.. فالرجل لا يعترف أصلاً -كما أفصح- بكثير مما ثبت في العلم، يقول إنه «ضد هذا.. وذاك يضحكون به عليكم»، هكذا دون دليل، وأتباعه يصدقونه ويحبونه، ويكرهون حديث الأطباء والمثقفين، بل إنهم طالبوا لصاحبهم -بجدية- بجائزة نوبل في الطب!
تمام.. نقطة نظام.. هذه محاولة للرد على أتباع «الطريقة العوضية»، بهدوء، بعيداً عن العلم، ببنودٍ ثمانية، لعلها تكون شافية، تحتاج فقط لتشغيل الدماغ، للفهم. ولنتفق مبدئياً على أن الكل في طعامه وشرابه حر، فالكل مسئول عن صحته، وإن قرر أكل التراب أو تجرع السم.
أولاً، كأرضية مشتركة، الأمر الثابت المؤكد أن «المعدة بيت الداء». لا خلاف. فما نتناوله من غذاء يؤثر في صحتنا طبعاً بالسلب أو الإيجاب. ولكن كيف يمكن ربط الأمراض على إطلاقها بالطعام؟! ألا يمكن أن يصاب الإنسان بفيروس صغير من الهواء يقوده في النهاية إلى الهلاك؟! أنقول عندئذ للبشر: لا تتنفسوا؟!
ثانياً، أعرف صديقاً طبيعياً للغاية، لكنه لا يأكل «الجبن» منذ الصغر. لماذا؟! هو شخصياً لا يعرف الإجابة. ما يعرفه أنه كلما حاول أن يفعل أصيب بحالة غريبة تنتهي سريعاً بالقيء! ما الذي يعنيه هذا؟! يعني ببساطة أنه ليس هناك نظام غذائي محدد يمكن تعميمه على الكل، فأجسام البشر مختلفة، وقد تكون حساسة تجاه أطعمة أو مواد بعينها. تلك حكمة الله. فمن أين ينبع اليقين الشديد في تعميم «الطريقة» والأمر بمأكولات معينة ومنع غيرها؟! وكيف يمكن توجيه النصائح الطبية للمرضى «لايف» على يوتيوب دون كشف سريري أو معرفة تاريخ مرضي؟!
اليقين -ثالثاً- يستمده أتباع «الطريقة العوضية» -كما كان يفعل الطبيب الراحل- من الاستشهاد بآياتٍ من القرآن. وهنا ستكون لي وقفة. فمن حقي أن أغار على ديني. لن أقول لهم إن ربط العلم البشري بالقرآن الكريم بشكل حرفي أمرٌ لا يجوز، إذ إن العلم متغير وكتاب الله ثابت؛ العلم يخطئ ويصيب ويخضع للتجريب -على أسس طبعاً وليس اعتباطاً- بينما كلام الله حقٌّ لا يأتيه الباطل. لن أقول لهم كل هذا، فـ«العوضيون» لا يحبون هذا الكلام، يكرهون التفكير. تمام. مفهوم.
لكنني سوف أثور في وجوههم -غضباً لأجل القرآن- فأقول إن تفسير كتاب الله لا يكون بهذه الطريقة. التفسير له أهله وكتبه وقواعده. وقد أخطأ «شيخ الطريقة العوضية» في تفسير بعض آيات القرآن أخطاءً واضحة، وأتباعه بالطبع لا يعرفون، فهم لا يقرؤون، لذا فإنني أدعو شيوخ التفسير إلى التصدي لهذا وتوضيح الحقيقة.
رابعاً، «لماذا لم يرد عليه أحد في حياته؟! لماذا تجرأتم عليه بعد موته؟!»، يتساءل أتباع الطريقة. وها هي الإجابة، أو إحدى الإجابات؛ الإعلامي خيري رمضان قال إن برنامجه تواصل معه لاستضافته ومناقشة كلامه لكنه رفض قائلاً: «أنا ضياء العوضي.. مافيش دكتور يقعد قدامي». وأوضحت الزميلة الصحفية سارة سيف، على صفحتها في فيسبوك، أنها كانت معدة برنامج «مع خيري» على قناة «المحور» واتصلت بالرجل فعلاً منذ حوالي سنتين لاستضافته، لكنه عندما علم أن الحلقة ستكون مناظرة مع طبيب من مستشفى قصر العيني رفض، وقال بالنص: «أنا ضياء العوضي.. أتكلم لوحدي والكل يسمعني.. ولو جيت لوحدي أنا اللي سأحدد المحاور التي أتكلم فيها مش سيتحط لي أسئلة»!
طيب.. ماشي.. والآن ماذا نفعل؟!.. كيف نحسم؟!.. لستُ طبيباً وأتباعه ليسوا أطباء طبعاً.. فكيف نقيِّم ما يقوله؟!.. الإجابة في البند «خامساً». هناك إجابتان مختلفتان للسؤال؛ الفرد والمؤسسة، بمعنى أن البعض سيختار -وهو حر- أن يصدق الفرد دون مراجعة، ويعتبره «شيخ الطريقة» المُخلِّص الذي جاء لتحرير العالم من المرض والأوهام، والوقوف ضد مؤامرات العلم والعلماء، وهناك البعض الآخر سيقرر -وهو حر طبعاً أيضاً- تصديق المؤسسات العلمية بأبحاثها ونظرياتها وأدويتها، مع إدراك أن هناك نسبة من الخطأ أو الغرض، لكن لا حل إلا متابعة طريق العلم، فبهذا أمرنا الدين والعقل معاً. كلٌّ من الفريقين حر؛ حرٌّ في اختياراته، أفكاره، غذائه، حياته، صحته ومرضه.. أو حتى موته!
سادساً، أرسل لي الصديق الصحفي نصري عصمت مقالاً قديماً للدكتور الراحل أحمد خالد توفيق، نُشر بمجلة «الشباب» في مارس 2013، وفيه كتب: «لا كرامة لنبي في وطنه.. هي مقولة شائعة وصادقة بالتأكيد.. موافق تماماً. المشكلة الحقيقية هي أن النصابين يعرفون هذه المقولة جيداً ويلعبون عليها بحكمة لاعتصار عواطف الناس». وأضاف: «بما أنني أمارس مهنة الطب فقد عرفتُ عدداً هائلاً من هؤلاء العلماء النصابين، الذين يمارسون كافة طقوس العلم الزائف بنجاح تام. ومن علامات العلم الزائف الشهيرة أن الطبيب النصاب لا يلجأ في عرض نتائجه العلمية إلى زملاء المهنة، بل يلجأ إلى الصحافة، وبما أن الصحافة غير متخصصة فهي تقبل ما يقوله وتنفعل».
ويكمل أحمد خالد توفيق المشهد قائلاً: «يمضي الرجل وعلى وجهه علامات المرارة مردداً في كل مكان: (للأسف لدينا العلم كله لكن لا كرامة لنبي في وطنه.. نحن نقبل ما يقوله الأجنبي بينما نعامل علماء وطننا العباقرة أسوأ معاملة).. هكذا تسيل الدموع وينفعل الجميع.. ويبصقون في وجوهنا -نحن الذين جرؤنا على التدقيق العلمي في اكتشاف هذا العالم- باعتبارنا مجموعة من الفاشلين الذين لا يهمهم سوى تدمير الناجحين»!
وهنا -سابعاً- أريد التوضيح. إنني لا أتهم ضياء العوضي بالنصب، برغم أن الفيديوهات الطويلة والمشاهدات الكثيرة تمنح صاحبها أموالاً طائلة من موقع يوتيوب، كما تمنح شهرة واسعة أتاحت للطبيب الراحل رفع قيمة الكشف في عيادته، كما أعلن بنفسه، لكنني مع هذا لا أشق عن صدره، فربما كان يُصدق بالفعل ما يقوله. ولن أدّعي لذاتي أيضاً معرفة بالطب النفسي، فأحلل كلامه وسلوكه و«طريقته»، أو عنفه وسبابه وعصبيته، وما قاله بنفسه عن تمرده منذ صغره وكراهيته المرأة. لن أفعل. لكنني أدعو الأطباء النفسيين إلى أن يفعلوا.
في كل الأحوال -ثامناً وأخيراً- لن أتهم بغير دليل أو أحلل بغير علم، لكن شيئاً أساسياً استوقفني في أحد حواراته. قال إن أول ما لفت نظره منذ سنين هو أنه وجد كبار الأطباء يمرضون، ويأتون ليرقدوا في العناية المركزة حيث يعمل -وصف أحدَهم بأنه «مَرمِي عندي في العناية»!- مما دفعه إلى التفكير في أن: «فيه حاجة غلط»، فهؤلاء الأطباء يُفترض أنهم أصحاب علم، لكن ها هم يعجزون عن علاج أنفسهم، فلا بد أن هناك خطأً في المسألة كلها! يبدو لي هذا المنطق شديد الغرابة.. فهل الإصابة بالمرض ترتبط بطبيب أو بغيره؟!.. وهل كون المرء عالماً أو خبيراً يعني ألا يمرض أو يموت بإصابته؟!.. هل قدرة رواد الفضاء على الصعود إلى أعالي السماء تعني أنهم لن يُدفنوا في الأخير تحت التراب وإن يكن لأهون سبب؟!.. برغم اعتراضي على هذا المنطق العجيب فقد قررتُ تطبيقه على صاحبه.
تساءلت: إذا كان السيد ضياء العوضي قد دعا إلى نظام غذائي معين رأى فيه الخلاص والشفاء من الأمراض، والتزم هو به إلى حد قوله إنه يُمضي أحياناً عدة أيام دون طعام أو شراب، فلماذا مات في سن السادسة والأربعين؟!.. بالمنطق ذاته يمكن أن نقول: «فيه حاجة غلط».. في النظام الغذائي الذي أعلنه، وفي «الطريقة العوضية» كلها. رحمه الله وغفر له. ورحمنا الله جميعًا مما صرنا فيه.
ختاماً.. يبقى أن أؤكد أن الهجوم لا يُخرِس، والسباب لا يُرهب، فالمعركة ليست مع ميت إنما مع «طريقة تفكير»، ولا أقول -حتى الآن- إنها معركة مع مصالح.