كان اسمها (شجرة المعصية)، فقال عنها إبليس: (شَجَرَةِ الْخُلْدِ)
لقد خدع الشيطان آدم وحواء بالأمنيات المستحيلة؛ بأن يكُونَا (مَلَكَيْنِ) لمُلْكٍ (لَا يَبْلَى) أَوْ يكُونَا (مِنَ الْخَالِدِينَ)..
والحقيقة كانت: طردهما من الجنة، فلا مُلك، ولا مملكة، ولا جنة، ولا خلود!
فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ..
هذه الوسوسة كانت سببًا لكل هذا العقاب! وكان استخدام الاسم في غير موضعه، الوسيلة الأكيدة، لضمان نجاح تلك الوسوسة.
وهكذا سارت الأمور، على مر العصور، لأتباع مدرسة إبليس، حيث تسمية الأشياء بغير مسمياتها:
فالإلحاد "حرية"، والخمر "مشروب روحي"، والعُري "موضة"، والفاحشة "حضارة"، والزنا "انفتاح"، والربا "فائدة"، والرشوة "هدية"، والسرقة "فهلوة"، والكذب "دبلوماسية"، والسهوكة "رومانسية"، والهزيمة "انتكاسة"، والقسوة "تهذيب"، والقمع "حماية"، والقتل "إصلاح"..
لقد أصابت هذه الأكاذيب الكبرى، وغيرها، مقدرات الأمم والمجتمعات في مقتل، واختلطت على الناس أمور متعددة، حتى غير البسطاء منهم، والذين تحلوا بقدر من الثقافة، اختلطت عليهم الأمور أيضًا.
تعيش حياةً، تسمع فيها عن أشياء، وترى أشياء غيرها تمامًا، حياةً أضحى الكذب فيها، البضاعة الرائجة، ولا عزاء لعقل يفهم، وعين تُبصر، وضمير يستشعر!
يقينًا ما تراه أصدق، ما تراه هو الحقيقة، فما تراه هو الواقع الذي تعيشه وتحياه، أما ما تسمعه فهي روايات الفاسدين والمنتفعين من فسادهم.
إن ما تقدم، يدفعنا دفعًا نحو أمرين مهمين:
أولهما: أمانة الكلمة، وثانيها: وضوح الكلمة.
فالأمانة هي الخطوة الأولى للحقيقة، لكنها ليست الحقيقة كاملةً، إن غاب عنها وضوح هذه الكلمة، وكأن الأمانة، شرط ضروري للحقيقة، لكنه ليس شرطًا كافيًا.
ولذلك أرى أشد الناس عقابًا من الله، هؤلاء الذين سخروا ألسنتهم، وكلماتهم للكذب والتدليس ولي عنق النصوص، لخدمة الغرض والهوى، باعوا أنفسهم، ومعها ضمائرهم، من أجل دنيا زائلة، فلا تهللت بهم الدنيا، ولا رحبت بهم الآخرة.
والتاريخ خير شاهد على أهل النفاق ومآلاتهم، وأهل الحق ومآلاتهم.
في عالم السياسة الآن، يحاول أعداء الإنسانية، بأدواتهم الإعلامية الجبارة، أن يسوقوا للعالم، مفاهيمهم المغلوطة، المتعارضة تمامًا مع الصدق والعدل، والمجافية تمامًا للواقع والحقيقة، فالمدافع عن أرضه "إرهابي"، والمحتل "رجل سلام"، وقتلة الأطفال والنساء والشيوخ والعجائز، "مظلومون مضطهدون من الدنيا كلها"!
وفي الدراما، صور لنا غير قليل، من صُناع هذه القوة الناعمة، هذه الأداة الثقافية، شديدة الخطورة، عظيمة الأثر، صوروا المتدين "إرهابيًا"، والراقصة "وطنية"، والمدمن "شهمًا".
صوروا الداعية، "غليظ القلب مكروهًا"! والفاسق، "مرحًا طيبًا محبوبًا"!
وكان تصويرهم الظالم هذا، أحيانًا عن سوء تقدير، وكثيرًا عن سوء نيه!
رمى الخليفة المتوكل عصفورًا، فلم يصبه، فقال وزيره: "أحسنتَ يا مولاي"!
فرد الخليفة: أتهزأ بي؟
فقال الوزير: لقد أحسنتَ إلى العصفور، حينما تركتَ له فرصةً للحياة! وكانت هذه (أيقونة) فن التطبيل وقتها! ويجري استخدامها حتى ساعتنا هذه!
من البشر أناس يكذبون كما يتنفسون، يباركون الشر، ويُعينون عليه، يُلبسون الحق ثوب الباطل، والباطل ثوب الحق.
دفن رجل كلبًا، في مقابر الناس، فشكى الناس للقاضي، فاستدعاه القاضي، وسأله عن حقيقة ما نُسِبَ إليه، فقال الرجل: نعم، لقد أوصاني الكلب بذلك، ونفذتُ وصيته!
قال القاضي: وهل يحق لك، أن تدفن كلبًا، في مقابر الناس، مستهزئًا بهم؟!
قال الرجل: وقد أوصاني الكلب أيضًا، أن أُعطي ألف دينار للقاضي.
فقال القاضي فورًا: رَحِمَ الله الكلب الفقيد! فتعجب الناس من القاضي، وكيف غير رأيه في الحال!!
فقال لهم القاضي: لا تعجبوا، فقد تأملتُ في أمر هذا الكلب الصالح! فوجدتُه من نسل كلب أهل الكهف!
هكذا كثير من الناس، يُغيرون مبادئهم ومواقفهم، فينطقون بالباطل، ويدافعون عنه، وفقاً لرغباتهم، وما تقتضيه مصالحهم.
كذابون متلونون:
وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ..
هؤلاء، لا خير فيهم، ولا رجاء منهم، وأعمالهم مردودة في نحورهم: مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَا يُبْصِرُونَ..
قلتُ يا رسولَ اللهِ ما النَّجاةُ، قال: أمسِكْ عليكَ لسانَكَ، وليسعْكَ بيتُك، وابكِ على خطيئتِكَ..
إِذَا أَصْبَحَ ابْنُ آدَمَ، فَإِنَّ الْأَعْضَاءَ كُلَّهَا تُكَفِّرُ اللِّسَانَ فَتَقُولُ: اتَّقِ اللهَ فِينَا فَإنَّما نَحْنُ بِكَ، فَإِنِ اسْتَقَمْتَ اسْتَقَمْنَا، وَإِنِ اعْوَجَجْتَ اعوَججْنا..
إذا قالَ الرَّجُلُ: هَلَكَ النَّاسُ فَهو أهْلَكُهُمْ.. وهل يَكبُّ الناسَ في النارِ على وجوهِهم، إلا حصائدُ أَلسنِتِهم؟
الكلمةُ أمانةٌ، الكلمةُ شرفٌ، الكلمةُ مسئوليةٌ.
علمونا أن البلاغة هي مطابقة الكلام لمقتضى الحال، فإذا كان التطابق بنسبة 90% فالجملة بليغة بالنسبة ذاتها.
أما أن يكون الكلام في وادٍ، والحال في وادٍ غيره، فهذا نشاز، لا علاقة له من قريب أو من بعيد بالبلاغة.
إن أصل الفوضى الاجتماعية (كما قال كونفوشيوس) تكمن في عدم تطابق الكلمات مع الواقع؛ ولذلك كانت دعوته، ودعوة غيره من الفلاسفة: سموا الأشياء بمسمياتها!!